عرائس "تاريخ الحرب": الخيمة لا تشبه "الحُلم"!
تاريخ النشر : 2024-12-15 11:20
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن إيناس لافي تتوقع أن تتحول مراسم فرحها التي أشرفت على تحضير كل تفاصيلها إلى ذكرى كئيبة، في لحظةٍ واحدة، وبدون سابق إنذار، فالعروس -وحيدة أبويها من الإناث- كان من المفترض أن تحتفل بزفافها في العاشر من أكتوبر 2023م، لولا أن أهدتها الحرب أولى نكساتها، وأطفأت كل الأفراح.

اندلعت الحرب قبل العرس بثلاثة أيام، واستشهد شقيقها المصور الصحفي في شركة عين ميديا إبراهيم، الذي استهدفه طيران الاحتلال في أولى ساعات الإبادة أثناء تغطيته الأحداث شمالي قطاع غزة.

"العرائس اللواتي تزوجن قبل الحرب بأيام، خبرنَ بداية حياةٍ صعبة في ظل النزوح والقصف والمجاعة. حياة كان يجب أن تكون تمهيدًا لعمرٍ قادم في مملكة خاصة يتشارك فيها الزوجان التفاصيل والمودة والرحمة".

منذ ذلك اليوم أثقل قلب إيناس الحزن. "استشهد فرحة البيت وفاكهته" تقول لـ"نوى"، وتضيف: "شعور الفقد لا أتمناه لأحد، لقد فقدت الشغف في كل شيء حولي، وما كان يواسيني أنني لم أكن قد غادرت بيت أهلي بعد".

ترى إيناس أن العرائس اللواتي تزوجن قبل الحرب بأيام، خبرنَ بداية حياةٍ صعبة في ظل النزوح والقصف والمجاعة، حياة كان يجب أن تكون تمهيدًا لعمرٍ قادم، وتأسيس لمملكةٍ خاصة يتشارك فيها الزوجان التفاصيل والمودة والرحمة، وتخبرنا: "حمدتُ الله أنني لم أكن قد تزوجتُ بعد. وسألتُ نفسي مرارًا: ماذا لو كنتُ أعيش في جهة وأهلي في جهة؟ لطالما تمنيت أن لا يسقط صاروخٌ عشوائي فوق بيتنا فيترك أحدنا ليتحسر على البقية، بالذات وقد عرفتُ معنى الفقد بخسارة أخي إبراهيم".

قبل العرس بأيامٍ قليلة، انتهت إيناس برفقة خطيبها مصعب من الإشراف على تجهيزات البيت بكل دقة. كانا يحلمان باليوم الذي يجتمعان فيه تحت سقفه معًا، لكن الحرب خرّبت وهدمت كل شيء. تزيد: "لم يخطر ببالي أن أذهب للاطمئنان على ما حل في بيتي إلا بعد 6 أشهر من اندلاع الحرب. فتحتُ الباب، فلم أرَ إلا طيف إبراهيم في كل الزوايا. هنا حمل حقائب ملابسي، وهذه الزاوية كانت فكرته. حتى الخاتم الذي أهداني إياه كان غصةً أخرى".

"بطّل إلي نفس للفرح. حتى لو تزوجنا بعد الحرب، ما بفكر أعمل عرس. قلبي مجروح، ومشتاقة لأخوي إبراهيم كثير".

تحمد إيناس الله كونها وخطيبها ما زالا بخير، وتؤمن بأن كل شيءٍ يمكن أن يعود إلا الإنسان. تقول: "قتلوا فرحتي. دمروا حلمي، ومزقوا بدلة عرسي التي استأجرتُها. طال بيتي الذي جهزه مصعب بشق الأنفس الدمار بعد نسف البرج الذي يضمه في رفح، واغتالوا حتى رغبتي في أن أرتدي ثوبًا أبيض أو أكون أميرةً في زفة ومن حولي النساء تزغرد بحب"، مردفةً بقهر: "بطل إلي نفس للفرح. حتى لو تزوجنا بعد الحرب، ما بفكر أعمل عرس، قلبي مجروح، ومشتاقة لأخوي إبراهيم كثير".

تخاف إيناس من فكرة الزواج في الحرب. تخاف من الزواج في خيمة! وتضيف: "هي ليست مكاننا. نحن نعيش فيها قسرًا، وهذه ليست فكرة سهلة أبدًا، بل مسؤولية كبيرة جدًا (..) بالكاد يستطيع الإنسان تدبير أموره، فما بالكم بأن يصبح مسؤولًا عن إنسان وحياة كاملة خاصة به في ظل هذه الظروف؟".

وتشكو الشابة سحر أحمد (اسم مستعار)، وهي في أواخر العشرينات من عمرها ما أصابها نتيجة زواجها داخل أحد الصفوف المدرسية، في إحدى مدارس مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة.

تقول: "لم أتوقع بأنني سأعاني بهذا الشكل، كل شيء صعب، والتفاصيل موجعة للغاية".

وافقت عائلة سحر على ارتباطها بالشاب الذي تقدم لخطبتها في مركز الإيواء نفسه، "هربًا من واقع التكدس داخل الخيمة الواحدة، التي نصبها أبي في الساحة، وتضم 9 من أشقائي" تضيف.

فرصة النجاة والاستقلالية التي كانت تظن أنها حصلت عليها، كانت مأزقًا جديدًا، حين بدأت أول أيامها في غرفة صفية جهزتها عائلة زوجها بالمستطاع لتكون عشًا للزوجية. تخبرنا "عصبيته مفرطة، ولا يراعي ظروفي أبدًا، يا ليتني بقيتُ في خيمة عائلتي، فأي ظروف عشتها هناك كانت أخف بكثير مما أعيشه الآن".

وفي حكاية شبيهة بسابقاتها، تجد "أمل حامد" (26 عامًا) نفسها اليوم مجبرة على اتخاذ قرار إتمام الزواج بخطيبها الذي عقد قرانها عليه قبيل الحرب بأيام. تقول: "طالت مدة خطبتنا، وطالت الحرب. أهله مصرون على الفكرة، لكنني كلما فكرت بالأمر انتابني شعور لا يحتمل بالقهر والعجز".

وترى الأخصائية النفسية د.ناريمان أبو دية، أن الفتيات المقبلات على الزواج، أو اللاتي كُن على موعدٍ مع الزواج قبيل الحرب، لديهن الحق في مشاعرهن بما تشمله من خوف وإحباط وقهر.

"الظروف المحيطة، غير قابلة أصلًا لتأسيس حياة جديدة. ببساطة تسيطر على النساء في مثل هذه الحالات فكرة الفقد. فقد المكان أو الزوج في أية لحظة؛ نتيجة انعدام الأمان".

وتقول: "الظروف المحيطة، غير قابلة أصلًا لتأسيس حياة جديدة. ببساطة تسيطر على النساء في مثل هذه الحالات فكرة الفقد. فقد المكان أو الزوج في أية لحظة؛ نتيجة انعدام الأمان".

وتضيف: "فكرة الزواج في ظل الحرب أو العيش في خيمة، يشكلان هاجسًا عند الشابات لما يحمله ذلك من حرج. لا سيما في ظل النزوح، والعيش في الخيام، ذلك المجتمع المفتوح على بعضه، الفاقد للخصوصية تمامًا، ناهيكم عن صورة الفقر والعوز التي رسمها النزوح".

وتتابع: "لا تريد العروس بكل الأحوال أن تبدأ حياتها على هذا الأساس، فكل التفاصيل التي ستمر بها ستخلق لديها إحباطًا طويل الأمد، وتفقدها ثقتها بنفسها".

وشددت على أهمية الدعم النفسي والمجتمعي من قبل البيئة المحيطة، لكل الفتيات اللاتي اندلعت الحرب وهنّ في أولى خطوات حياتهن الجديدة، فجرفتهن إلى طريقٍ طويلةٍ من الخوف والجوع والحرمان والتشتت والنزوح".