على سرير المشفى تئنُّ "وعد".. ولا يمسحُ على رأسها أحد!
تاريخ النشر : 2024-12-01 14:36

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على أحد أسرة مستشفى الحلو بحي النصر غربي مدينة غزة، كانت وعد دبور (12 عامًا) تئن ألمًا.

تخاطب سقف الغرفة المتشقق بعيونٍ ذابلة، وحيدة دون والدتها. لا أحد يربّت على رأسها أو يدعو لها دعوات الشفاء، تنكمش كلما سمعت أزيز طائرات الاحتلال، وتغمض عينيها بقوة. تقول بعفوية: "كي لا أشعر بشيءٍ لو مت".

لا تعرف وعد أين هي عائلتها، لقد فقدت الاتصال بأمها وأشقائها، واستشهد والدها إثر قصف الاحتلال منزلهم في مخيم جباليا شمالي القطاع. تضيف: "أنقذني مسعف، ونقلني إلى مستشفى كمال عدوان، وعندا اقتحامه أُجبرت على النزوح وحدي عبر سيارة إسعاف نقلتني إلى مستشفى الحلو الدولي غربي المدينة؛ لاستكمال علاجها، دون عائلتها.

 يقول الممرض محمد عبد القادر، في مستشفى كمال عدوان: "أحضر المسعفون الطفلة وعد مصابة إثر قصف الاحتلال مربعًا سكنيًا في المنطقة التي تسكنها. كان معها مجموعة من المصابين، منهم أطفال، وعائلات سألناهم عنها، فقالوا إنهم لا يعرفونها".

ويكمل: "عندما اقتحم جيش الاحتلال المشفى، أُجبرنا على نقلها مع مصابين آخرين إلى خارج حدود مخيم جباليا، ومنذ ذلك الوقت لا أحد يعرف عن عائلتها شيئًا"، منبهًا إلى أنهم يستقبلون يوميًا عشرات الأطفال المصابين، ومعظمهم بدون عائلاتهم، وبعد فترة يأتي من تبقى منهم حيًا يبحثون، فيصطحبون معهم أطفالهم، "لكن لم يأتِ أحد حتى الآن من أجل وعد" يستدرك.

كانت وعد مصابة بشظايا صاروخية في أمعائها، ولحسن حظها -وفق الممرض محمد- أنها تمكنت من الخروج لاستكمال علاجها غربي المدينة، "فاقتحام كمال عدوان كان عصيبًا".

ويخبرنا: "كان خوفنا على المرضى -خصوصًا الأطفال- كبيرًا جدًا، أكبر من خوفنا على أنفسنا، فقد قُصفت أقسام الجراحة بالقذائف، واستهدفت ساحة المشفى بأحزمة نارية، فيما كانت الطائرات المسيرة تطلق نيرانها بين أروقة وأقسام المشفى بشكل جنوني".

ويكمل:" كنا ننقل المرضى بين الأقسام، لنوفر لهم بعض الأمن. كانت النيران فوق رؤوسنا، بينما صراخ الأطفال من حولنا لا يتوقف، وهذا ما دفعنا لمحاولة نقل الأطفال أولًا إلى مناطق أكثر أمنًا".

عودةٌ إلى سرير وعد، التي لم تتوقف عن البكاء بينما كانت إحدى الممرضات تسرح لها شعرها، وتختار لها ملابس جميلة في محاولةٍ لإلهائها عن التفكير قليلًا. كانت على لسانها عبارةٌ وحيدة: "أريد أهلي، أريد أمي وأشقائي، اشتقلت لهم كثيرًا".

"كانت أمي تعد لنا أطيب الطعام، وتلبسنا أحلى الملابس، وتجمعنا أمام المدفأة في ليل الشتاء البارد".

وترجع بذكرياتها إلى ما قبل الحرب، عندما كانت تذهب إلى المدرسة مع شقيقتها الصغرى، وتلعب مع صديقاتها بالحارة أمام المنزل، فتقول: "قبل الحرب كانت حياتنا جميلة. كنا نذهب صباحًا إلى المدرسة، ونشارك في الدروس والحصص. كنت متفوقة وأحب المدرسة والمعلمات كثيرًا. كانت أمي تعد لنا أطيب الطعام، وتلبسنا أحلى الملابس، وتجمعنا أمام المدفأة في ليل الشتاء البارد".

تستدرك بحسرة: "كنت أعيش حياة جميلة وآمنة، لكنني اليوم لا أجد بقربي أحد. حتى أمي لا أعرف عنها شيئًا، لا أعرف شيئًا عن أحد، أنا وحيدة وحزينة بدونها وبدون إخوتي، وبدون أبي الذي قُتل قصفًا دون أن يرتكب أي ذنب".