ليلةٌ ثقيلة.. يُتمٌ مؤبد!
تاريخ النشر : 2024-11-26 16:31

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"قتلوا أمي فتحية، وقتلوا أبي نبيل. قتلوا معهم إخواني وأخواتي وأولادهم جميعًا. قتلوا أعمامي وأبناءهم وأحفادهم أيضًا" يقول محمد الذي بات يوسم بـ"الناجي"، ويبتلع غصته.

يبتلع غصته ويكمل بصوتٍ يرتعش قهرًا: "سجلي عندك: 130 شهيدًا من عائلتي أبو نصر".

ليس مشهدًا من فيلم، ليس اقتباسًا من رواية قديمة، هذا ما حدث تمامًا في شمالي قطاع غزة، تحديدًا في منطقة "مشروع بيت لاهيا"، داخل منزلٍ مكوّنٍ من خمسة طوابق كان يضم عشرات النازحين من أبناء العائلة وغيرهم.

في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول لعام 2024م، قصف الاحتلال العمارة التي كانت ملكًا لوالد محمد وأعمامه. كانت مكتظة بالنازحين الذين دُمّرت منازلهم ورفضوا النزوح من شمالي القطاع بعد محاولات إفراغه.

يخبرنا: "صبرنا على الجوع، صبرنا على القصف الجنوني، كنا نعلم أنهم ربما يستهدفوننا بأية لحظة، لكننا أخذنا قرارًا بالبقاء في منزلنا إلى يوم المجزرة".

عند الرابعة وخمس دقائق فجرًا، يصف الجو "كان مولّع حرفيًا من شدة القصف والنار، كانت ليلة قاسية وثقيلة، انتهت بأن ضربوا العمارة، ومن هنا بدأت أنا على الأقل فصلًا جديدًا في الحياة! بين كل ما عشته تحت الحرب لمدة عام، وبين هذه الليلة".

انهالَت الطوابق الخمسة على رؤوس العشرات، كان بينهم 25 طفلًا صاروا من الماضي، لا يعرف محمد كيف نجا، يذكر أنه خرج من تحت الأنقاض بقوة الله وبدأ البحث عن جثامين أفراد عائلته. أخذ يكسّر الحجارة من فوقهم بطرق بدائية؛ لعله ينتشل أحدًا قبل أن يلتقط آخر أنفاسه.

يكمل: "انتشلنا الجثامين من خمس عمارات مجاورة، ونقلناهم على عربات يجرها الدواب. اختلطت الأشلاء بعضها ببعض، والمحظوظ هو من استُخرج جثمانه كاملًا".

يقضي محمد حياته بين المستشفيات، مغيّب تمامًا عن أية ظروف طبيعية يمكن للمرء العيش فيها. لا يعرف طعمًا للنوم، ولا حتى طريقةً للتعبير عن مشاعره.

وهل يوجد حظ للميت؟ ربما هذا ما يحدث في زمن الإبادة، أن يحسد الميت على جثمانه إن لم تفتته الصواريخ، أن يكرم بالدفن، أن يُدفن في مقبرةٍ حقيقية لا في الشوارع والطرقات، وأن يكون اسمه معلومًا ليس مجهولًا، وأيضًا يكتمل حظه فيما لو سلم قبره من عدم تجريفه من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

 يقول محمد الذي يوسم بدوره بـ"الناجي"، إنه يقضي حياته بين المستشفيات، مغيّب تمامًا عن أية ظروف طبيعية يمكن للمرء العيش فيها، لا يعرف طعمًا للنوم، ولا حتى طريقةً للتعبير عن مشاعره، يتجوّل في المشافي التي وزع عليها 25 جريحًا ممن أصيبوا وفلتوا من عملية القتل التي طالت "دار أبو نصر".

يتنقل بين الجرحى، يرى قريبه هذا أجريت له عملية جراحية برأسه، وآخر عمليتين في اليوم الواحد، صارت هذه أجواؤه، لا يعلم بعد إن كان يعيش حقيقةً أم كابوسًا سيمُر! فكل ما يراه يشبه الخيال، يغفو ويستيقظ على أصوات الانفجارات التي لا تهدأ، على صوت صراخ الفاقدين وعلى أكفانٍ تسير كمواسم الأعراس قبل الحرب! "ما كل هذا الموت؟ ما هذه الحياة؟" يتساءل.