غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تحت الحرب. تحت براثن الموت الجاثم فوق صدر المدينة، يثقل الجسد. يجرّ روح صاحبه جرًا وكأنه يسير به نحو حتفه. يرديه قتيل خوفه وحسرته وقهره، إلا هذه المرأة.
متعبةٌ نفسيًا وجسديًا.. تعيش قهر القصف والنزوح، ومسؤولة عن بناتها الثلاث اللاتي يعانين الشلل الدماغي. تقول إنها لا تكاد تشعر بجسدها أصلًا، فهي "فرصة النجاة الوحيدة لهن". لا وقت لديها كي تحسّ بثقلٍ أو تتقاعس عن أداء أية مهمة.
اقتربت أصوات طلقات الرصاص منهم. رفعت رأسها للسماء، فإذا بطائرة "الكواد كابتر" تحلق فوقه بصوتها المرعب، تنادي على الجميع للخروج من المدرسة.
لا وقت لديها إلا كي تنجو بثلاثتهنّ معًا، عبير الأغا، النازحة من جباليا شمالي قطاع غزة، والناجية -عن طريق الصدفة- بعد رحلة نزوح مريرة فاقت كل الرحلات السابقة، وصلت مخيّم اليرموك للنازحين وسط مدينة غزة، بعد ساعاتٍ من الجحيم عاشتها في الشمال، بين جنودٍ مدججين بالأسلحة وطائرات مسيّرة ترقُبُ حركتها، ودبابات تعفر رمالها في وجوه المكلومين هناك.
كأي يوم من أيام "الجحيم" كما تصف الحرب، كانت عبير تستعد لإعداد طعام الغداء في إحدى مراكز الإيواء بمخيم جباليا، حين اقتربت أصوات طلقات الرصاص منهم. رفعت رأسها للسماء، فإذا بطائرة "الكواد كابتر" تحلق فوقه بصوتها المرعب، تنادي على الجميع للخروج من المدرسة.
تخبرنا: "لم يكن لدينا مجال للتفكير. لا خيار أمامنا، إما الموت أو الخروج من المدرسة، صعدت إلى الطابق الثالث بمساعدة ابني كي ننزل بناتي اللاتي يعانين من الشلل الدماغي، في هذه اللحظة تمنيت الموت لكنني تشبثت بالحياة من أجلهن!"
وتضيف: "كانت الطريق طويلة رغم قصرها، أدفع بواحدة من البنات على الكرسي المتحرك، ثم أعود لأدفع الثانية ومن بعدها الثالثة، وابني يحمل بعض الأغراض منهكًا بوجهٍ شاحب ودموع جفّت من شدة المأساة. كان لزامًا علينا أن نكمل الطريق".
ولعل أكثر ما علق بذاكرة عبير في تفاصيل ذلك اليوم، استهزاء الجنود الإسرائيليين لكونها لم تستطع نقل بناتها مرة واحدة، عندما غرز الكرسي المتحرك عجلاته في الرمل، فحاولت رفعه بمشقة وذعر وتوتر ورعب، ودموع كانت تجري كالسيل على وجهها، بالتزامن مع غبار ابتلعه الجميع عبر حلوقهم الجافة، بسبب شدة دوران الدبابات الإسرائيلية، وسط ضحكات عالية من الجنود علينا.
"في لحظة انهيار، وهم يضحكون علينا ويستهزؤون بنا، قلت لأحد الجنود أطلق النار علي أنا وبناتي. لم أعد قادرة على إكمال المشوار!"
تتابع الأم: "في لحظة انهيار، وهم يضحكون علينا ويستهزؤون بنا، قلت لأحد الجنود أطلق النار علي أنا وبناتي. لم أعد قادرة على إكمال المشوار!"، حتى صار النازحون يساعدونها إلى أن تجاوزوا الحاجز.
أكثر ما تتمناه عبير اليوم أن تعود إلى منطقتها، حتى لو في خيمة تنصبها فوق ركام منزلها مع بناتها وابنها بين جيرانها، أن يعود الشهداء ويعود الجيران. "أن تعود غزة كما كانت قبل الحرب الإسرائيلية، التي دمرت أرواح الناس وممتلكاتهم. أعرف أنه حلم، لكن هذا ما لا يستطيعون منعه عنا" تختم.
