غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كان صراخ مروة مدويًا، حين وصلها اتصالٌ هاتفيٌ أخبرها فيه أحدهم بأن شقيقتها منى أصيبت في القصف الإسرائيلي الذي طال مخيم جباليا للاجئين شمالي قطاع غزة. لم تتمالك أعصابها، انهارت وصرخت بقهر: "حدا يصحيني من هالكابوس.. يا رب بطلت أتحمل".
مروة العجوري، فلسطينية أجبرت على النزوح إلى جنوبي القطاع في بداية الحرب مع أسرة زوجها، لكن عائلتها فضلت البقاء في المخيم. استشهد شقيقها في الشهر الأول من الحرب، وجُرِح الثاني، فعاشت أمها ويلات الفقد والجوع واشتداد الحصار، إلا أن والدها دائمًا ما كان يردد خلال اتصالاته بها بأنهم "صابرون"، وأن هذا خيارهم الوحيد أمام كل محاولات التهجير وأساليب الإبادة.
في أكتوبر عام 2024م، بدأت الأوضاع تشتد سوءًا على مناطق الشمال. باغت الجنود الإسرائيليون الناس واجتاحوا أطراف جباليا، وحاصروا الناس، وقصفوا المنازل ومراكز الإيواء! حتى المستشفيات لم تسلم من الاستهداف والاقتحام.
انقطعت أخبار عائلة مروة، فلم تعد تعرف شيئًا عنهم لانقطاع الاتصال والإنترنت، حتى الأخبار التي كانت تصل من هناك شحيحة ولا تبل الرمق. "كل ما عرفناه أن طاقةً من الجحيم فُتحت على المخيم بالبراميل المتفجرة و"الروبوتات" و"الكواد كابتر" وقذائف المدفعيات والصواريخ" تضيف.
وتتابع: "بعد أسبوع، وردني اتصال مفاجئ من أحد الأقارب، أخبرني أنه شاهد منى وابنتها رنين في مستشفى كمال عدوان جريحتان. لا تفاصيل عن حالتهما، شاهدَهُما من بعيدٍ وآثار الشظايا تملأ وجهَيهما، لا أخبار تتعلق بمصير أبي وأمي وشقيقيَّ محمد وهشام".
"تمنيت لو أنني لم أخرج من جباليا ولو أنني مت مع عائلتي في الأيام الأولى من الحرب".
أسبوعان مرّا، وكانا من أقسى أيام الحرب، السيدة التي أخذت تنفجر غضبًا في كل من حولها، لم تعد تعرف طعما للنوم ولا الراحة. تضيف: تمنيت لو أنني لم أخرج من جباليا ولو أنني مت مع عائلتي في الأيام الأولى من الحرب".
لم تهدأ النار التي اشتعلت في قلبها إلا بعد أن هاتفتها أمها مباشرة لتخبرها أنهم نجوا واستطاعوا الخروج إلى منطقة الشيخ رضوان، وأن شقيقتها الجريحة وابنتها تمكنتا من الخروج من المستشفى أيضًا، لكن شقيقتها فقدت زوجها بالقصف.
الأمر ذاته، المشاعر والبكاء، الغضب، والعيش تحت رحمة الأمل بالنجاة، عاشها محمد المصري، وهو أسير محرر اعتقل في بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، لمدة شهر ونصف، لكن جيش الاحتلال أطلق سراحه في الجنوب.
يقول: "عرفت صدفة أن أخي أصيب برصاصة كواد كابتر، أدت إلى حدوث شلل كامل في جسده، وأن أبناء عمي ثلاثة استشهدوا، وأن الجيش اقتحم مركز إيواء تواجدت فيه زوجتي وأطفالي الخمسة، وقام بالتنكيل والاستهزاء بآلامهم وهو يلتقط صورهم".

لم تكن هذه الرواية مباشرة من عائلة محمد له، بل كانت عن طريق أقارب أيضًا، فهو لا يملك هاتفًا محمولًا بعد مصادرة الجيش له، لا يملك الراديو، ويعتمد على جيران خيمته في الاتصال ومتابعة الأخبار. كان يضطر للسير إلى مسافات بعيدة للوصول إلى أماكن تجمع الصحفيين؛ ليسألهم مباشرةً عن الأوضاع وأسماء أفراد عائلته: هل وردت في المتابعة؟ هل هم شهداء؟ هل ستنتهي العملية قريبًا؟ أم ستستمر؟
يذكر محمد رعب أطفاله من القصف قبل اعتقاله وهو بينهم، ويتخيل المشهد عندما اقتحم الجنود المدرسة وكانت الدبابات تطوف حولهم. كان يرقب وجوه الأطفال والنساء جيدًا في هاتف جاره الذي يدعوه لمشاهدتها لعله يلمحهم ويطمئن عليهم، لم ير أحدًا منهم حتى أخبره قريبه بعد أيام أنهم تمكنوا من الخروج نحو مدينة غزة.
تحدثنا أيضا آلاء شاهين، وهي نازحة ثالثة وصلت إلى مخيم النصيرات وسط قطاع غزة قبل أشهر، بأنه منذ بداية الاجتياح البري فقدوا الاتصال بأقاربهم في الشمال. كانوا يتابعون الأخبار لحظة بلحظة، تسقط قلوبهم مع كل مجزرة تقع، تحديدًا في منطقة الفالوجة التي تسكنها عمتها، وكانت قد رفضت النزوح منها.
ما بين يومين وثلاثة تمر، يعرفون خبرًا ما عنها. خبر سريع مفاده أن العمة فايزة بخير، "وكلمة بخير بالطبع تخص الحالة الجسدية التي لا تقارن مع الحالة النفسية التي تمر بها، خاصةً بعدما استشهد ابنها في القصف، وكانت قد نجت من الموت حرقًا بعد قذيفة ضربت مخبزًا مجاورًا اشتعلت فيه النيران لمدة يوم كامل".
"ربما هذه لحظاتنا الأخيرة، سامحونا لو متنا"، أقسى ما كان يصل آلاء من عمتها رسائل على هذه الشاكلة، إذ كانت فرص الموت أقرب من أي فرصة للنجاة.
"ربما هذه لحظاتنا الأخيرة، سامحونا لو متنا"، أقسى ما كان يصل آلاء من عمتها رسائل على هذه الشاكلة، إذ كانت فرص الموت أقرب من أي فرصة للنجاة.
استطاعت عمتها الخروج من جباليا إلى بيت لاهيا شمالًا. حوصرت هناك مرة أخرى، واعتقل الجيش الإسرائيلي زوجها. كان أكثر ما يرعبها أن يتحرش الجنود ببناتها! فصبرت على الخوف والجوع والعطش، لكنها في أشد الظروف أخذت تبادل أسرتها في الجنوب مشاعرها، وآلاء التي لا تهاب الموت بقدر ما تهاب سماع هذه القصص، كان صوت رصيص أسنانها مسموعًا في ساعات الليل من شدة التفكير، لكنها لم تكن تصارح أمها كي لا تزيد العبء النفسي عليها.
تتابع: "الوضع في الجنوب لم يكن ورديًا. المجازر مستمرة لكن القلب كان في جباليا، وقلبي لم يعد يقوى على تحمل أي مأساة جديدة (..)أهون عليَّ أن تنقبض روحي على سماع خبر قتل أحد أقربائي في الشمال".
تشير الشابة إلى أنها بلغت الثلاثين من العمر، وتعاني من مشاكل في العظام، وأحيانًا لا تقوى على السير، ليس بفعل إصابة حرب، بل من شدة الضغط النفسي الذي تعيشه، بين ما تعانيه، وبين ما تخشى من وقوعه في شمالي القطاع.
