طفلةٌ تُهدي النازحين "الأمل".. في "إسوارة خرز"!
تاريخ النشر : 2024-11-17 13:57

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في أحد شوارع مدينة خانيونس الرئيسة المدمّرة جنوبي قطاع غزة، تجلس فتاتان سمراوان لا يتجاوز عمر أكبرهما 12 عامًا. تفترشان بقايا رصيفٍ بطاولةٍ خشبية قديمة، تضعان عليها الكثير من حبات الخرز، وبعض الخيطان، وتصنعان "أساور" ملونة.

تدندن إحداهما، واسمها ميس حمد (11 عامًا) بصوتٍ عذب، بينما تنشغل بصنع سوار: "أودعكم بدمعات العيون.. أودعكم وأنتم لي عيون.. يا راحلين عن الحياة، وساكنين بأضلعي هل تسمعون توجعي؟ وتوجع الدنيا معي"، وكأنها تُناجي عزيزًا فقدته.

تقول: "في بداية الحرب، تحديدًا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023م، استشهد والدي الحبيب.. إبراهيم موسى حمد، ومنذ ذلك الوقت يلازمني هذا النشيد.. أنشد قهرًا، وألمًا، وشوقًا".

بعد استشهاد والدها، وجدت "ميس" نفسها تتشارك الحمل مع والدتها في إعالة نفسها وإخوتها الأربعة البقية، فهي أكبرهم سنًا، بدءًا من هم النزوح الأول من بيت العائلة في مدينة بيت لاهيا شمالي القطاع، تحت ضرب الصواريخ والقذائف، إلى حيث رفح، في أقصى الجنوب، وليس انتهاءً بحمل الانتقال الثقيل بعد اجتياحها في مايو/ أيار الماضي، إلى إحدى مدارس الإيواء وسط مدينة خانيونس.

وكباقي أطفال القطاع، تأثرت "ميس" نفسيًا وجسديًا بمحطات النزوح القاسية التي مرت بها، وبانقطاعها المتواصل عن التعليم لأكثر من عام، وهي تقيم داخل خيمة مملة يجتاحها فراغ قاتل، حتى تذكرت ما كانت تتقنه في بيتها بغزة، وداخل غرفتها الجميلة الملونة "صنع الأساور والسلاسل اليدوية".

تقول بلغةٍ بليغة: "اليوم الأطفال اللي بعمري وعمر رغد، في كل أنحاء العالم، يجلسون على مقاعد الدراسة، يتعلمون، ويتقدمون ويتطورون في فهمهم لهذه الحياة إلا نحن".

من هنا قررت تحويل هذه الموهبة البسيطة إلى مصدر رزق لها ولعائلتها الصغيرة، ولعلها تخرجها من فراغ خيمتها التي لا تطاقُ فيها ظروف الحياة لا في الحر ولا في البرد وفق ما تصف.

تقول بلغةٍ بليغة: "اليوم الأطفال اللي بعمري وعمر رغد "صديقتها التي بجانبها" في كل أنحاء العالم، يجلسون على مقاعد الدراسة، يتعلمون القراءة والكتابة، ويتقدمون ويتطورون في فهمهم لهذه الحياة إلا نحن.. كما ترون، نجلس على بسطة متواضعة، نصنع الأساور وننادي المارة كي يشتروها".

تساعد النقود التي تحصلها ميس من بيع أساورها الخرزية في سداد جزء من الاحتياجات الضرورية لأفراد العائلة. تدندن الأناشيد بصوتها العذب الذي اكتشفه كثير من المتواجدين في مركز الإيواء الذي تقيم به، فأصبحوا يأنسون به في ساعات المساء، كونه يعود بهم إلا أيام العز، في بيوتهم الدافئة، تحت أسقف آمنة.

والدتها تسنيم (37 عامًا)، تقول إن "ابنتي كانت مدللة والدها، كان يوفر لها ولإخوتها كل سبل الراحة بكل ما استطاع (..) ميس ذكية جدًا، والكل يحبها وتحب الكل".

وبتنهيدة تضيف: "اليوم ميس ضايعة، شايلة هم مش قدها، تايهة مثل كل أبناء جيلها".

"بعد ما استشهد والدي، بطل إلي أي أمنية في هذه الحياة إلا إنو الحرب توقف. بدي أرجع أعيش في بيت، وأدرس في مدرسة، وأمسك كتابي.. بديش أخسر حدا تاني".

وتشير الأم إلى أنها تساعد إبنتها في شراء ما يلزم لتعزيز مهاراتها وثقتها بنفسها، وتضيف: "اليوم ما في مدارس، ما في تعليم منذ أكثر من عام، وجميع الأطفال في تيه وملل، لذلك أحرص جدًا على دعمها في هذه الحرفة المفيدة، وأشعرها بالفخر بما تصنع وما تقدمه في ظل غياب كل شيء يمكن أن يعطيها حقوقها كطفلة في هذه الحياة".

تشرد ميس طويلًا بذهنها، قبل أن تقطع حديث أمها، وتقول: "بعد ما استشهد والدي، بطل إلي أي أمنية في هذه الحياة إلا إنو الحرب توقف. بدي أرجع أعيش في بيت، وأدرس في مدرسة، وأمسك كتابي.. بديش أخسر حدا تاني".