مجاعة الشمال.. (13) طفلًا ترعاهم امرأة تحت الإبادة!
تاريخ النشر : 2024-11-17 13:01

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تدرك أميرة حسونة جيدًا أنه ليس من السهل الاعتناء بـ13 طفلًا ورجل طاعن بالسن، مصابٌ بمرض السرطان، وسط "الإبادة".

لا تتوقف الغارات في سماء غزة، ولا مرات النزوح، ولا يجد المحاصرون في شمالي القطاع ما يملؤون به معداتهم الخاوية. مجاعةٌ استنزفت المكان منذ ما يقارب العام، وفتكت بأهله الذين رغم ذلك كله، لا يجدون غير الصمود خيارًا.

ربما تتساءل صديقنا القارئ، لماذا يكون لدى أميرة 13 طفلًا؟ في الواقع، لم تنجب أميرة سوى ستة، لكنها اضطرت خلال العدوان للاعتناء بابنة أخيها الشهيد حبيبة حسونة ذات العشر سنوات، وخمسة من أبناء شقيقها الأكبر، المحاصر برفقة زوجته وابنه المصاب في مستشفى الإندونيسي شمالي مدينة غزة.

بدأت القصة في الحادي عشر من تشرين ثاني/ نوفمبر للعام 2023م، عندما فقدت أميرة منزلها في حي الزيتون، وفقدت عائلتها كذلك منزلها. تقول: "اتخذنا قرارًا بعد خروجنا من تحت الأنقاض سالمين أن نبقى سويًا، فنزَحْنا معًا إلى منزل صغير مكون من غرفتين في حي الصبرة، غربي القطاع. بقينا معًا حتى تاريخ الخامس عشر من مايو/ أيار، الذي بدأت خلاله سلسة نزوح متواصلة لمرات عدة".

في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران، أصيب ابن شقيق أميرة الأكبر "محمود"، فنصح الأطباء بتحويلة للمشفى الأندونيسي في الشمال، وقد انصاع الأم والأب للقرار، ومكثا معه هناك لمدة شهر، "قبل أن يبدأ حصار مناطق الشمال، ويحبس الثلاثة داخل المستشفى غير قادرين على الخروج، مثل آلاف العائلات الفلسطينية، الذين يتخذهم الاحتلال رهائن هناك، ولا يعرف مصيرهم حتى الآن".

في الاتصال الأخير مع أم محمود،"تحدثت عن المصير المجهول الذي ينتظر طفلها كونه لا يزال يمكث في العناية المركزة، وأن أي فصلٍ للكهرباء عن المشفى، أو محاولة نقله من مكان لآخر قد يودي بحياته".

في الاتصال الأخير مع أم محمود، أفادت أميرة: "تحدثت عن المصير المجهول الذي ينتظر طفلها كونه لا يزال يمكث في العناية المركزة، وأن أي فصلٍ للكهرباء عن المشفى، أو محاولة نقله من مكان لآخر قد يودي بحياته".

وأضافت: "أوصت أطفالها بالتعاون معي وسماع الكلام، ومواصلة دروسهم بشكل جاد".

تشير أميرة، إلى أن آخر اتصال مع الأم والأب كان قبل أيام طويلة، ولم يعد أحد منهما يستطيع التواصل، "بينما أطفالهما هنا يبكون باستمرار، ويطلبون لقاءهما أو الذهاب إليهما حيث هما الآن" تستدرك.

في ظل ما يسمعه أطفال شقيقها الذين ترعاهم، عن المجازر التي تحدث في تلك المنطقة، تحاول العمة إغماض عيونهم عن التفاصيل، في محاولةٍ لتجاوز التفكير بالسيناريو الأفظع: "إمكانية فقدهم والديهم دون سابق إنذار".

وعندما سألنا أميرة عن الروتين اليومي للتعامل مع هذه العائلة الكبيرة، ضحكت وأجابت: "أستيقظ منذ الساعة الخامسة فجرًا، وفي تمام الثامنة أعد لهم الفطور، وغالبًا يكون الخمص، إذ لا يتوفر عندنا غيره، ومن ثم أتركهم ليبدلوا ملابسهم، وفيما إذا كان خط المياه موصول، أنقل معهم جالونات المياه ليستحموا ولأغسل الملابس، ومن ثم أرسلهم لتلقي الدروس في مركز تعلمي قرب المنزل".

"تخيلوا أن تغسل سيدة واحدة ملابس ثلاثة عشر طفلً يدويًا كل يوم، بالإضافة لتنظيف البيت. وأن تعتني بوالدها المريض في مساحةٍ خانقة. ماذا سيحل بها؟".

تكمل: "أعد بعدها الغداء، فيأكل الصغار الذين لا يذهبون لتلقي الدروس، أغسل بعدها الأطباق، يأتي الصغار الآخرين بعد انتهاء دروسهم، فيأكلون ويأكل معهم البقية مرة أخرى. أحاول تدبر وجبة العشاء بشق الأنفس، وعندما تقرع الساعة السابعة طبولها، أشعر بأنني كالمغشي عليه من الموت. أندس في فراشي، فيفعلون مثلي ونكرر في كل يوم ذات السيناريو".

تزيد بابتسامة قهر نابعة من رضاها بالقضاء: "تخيلوا أن تغسل سيدة واحدة ملابس ثلاثة عشر طفلً يدويًا كل يوم، بالإضافة لتنظيف البيت. وأن تعتني بوالدها المريض في مساحةٍ خانقة. ماذا سيحل بها؟"، مشيرةً إلى أن المجاعة تشكل هاجسًا حقيقيًا، فلا يوجد ما يأكله الصغار، وإن وجد فسعره مرتفع جدًا، ولا تستطيع أن تقول لهم "لا تأكلوا" كونهم صغار، ولا يستطيعون تقدير الوضع، خاصةً وضع الفقر المدقع الذي تمر به العائلات.

وتستدرك: "أقسى ما يحدث معي، عندما يأتيني أحدهم يريد كيس مقرمشات، أو كعكة كالتي مع ابن الجيران. من أين سأشتري لهم جميعًا؟ حتى إعداده في المنزل صعب للغاية. من أين سآتي بالسكر، والدقيق والدهن لذلك، وقد تجاوز سعر الغرض الواحد عشرات أضعاف سعره الطبيعي قبل الحرب؟".

تقول أميرة: "يهون التعب كله أمام التصعيد في الميدان. النزوح بالأطفال صعب جدًا، لا سيما الذين لا يستطيع غالبيتهم المشي معتمدًا على نفسه، وسط طلقات الطائرات المسيرة وقذائف الدبابة".

في البيت الصغير، لا يكف الصغار عن المشاجرة فيما بينهم. تعلق أميرة: "أبقى طوال يومي بين، ضربني هذا، وذاك أخذ قلمي، ولا أريد الأكل من هذا الطبق. أريد اللعب في الشارع.. وكل هذا مقابل عدم وجود أي وسيلة ترفيه أخرى"، ملفتةً إلى أن كل تعبها هذا يهون أمام تصاعد الوضع الميداني، والنزوح بالأطفال، الذين لا يستطيع غالبيتهم المشي معتمدًا على نفسه، وسط طلقات الطائرات المسيرة وقذائف الدبابات.

تختتم أميرة حديثها لـ"نوى" بالقول: "أسيل وندين وسارة وكندي ويوسف أطفالي، لكنني أشعر ذات الشعور بالنسبة لأطفال أخي سما وأميرة وأسماء ومريم ويوسف وحبيبة، لذلك عندما اشتد البرد قررتُ توفير ملابس للجميع، فجميعهم فقدوا ملابسهم تحت الأنقاض"، معربةً عن أملها بعودةٍ قريبة للوالدين، والطفل الجريح، لعلهم يرفعون عنها بعض ثقل الأيام.