غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كان يومًا مُرًا يشبه كل أيام الإبادة، القصف عنيف ومستمر، وشلال الدم يجرف معه الأحلام كلها، من شمالي قطاع غزة إلى جنوبه، "لكن أمي كانت معي" يستدرك المسعف عبد العزيز البرديني، وهو يستذكر صباح "فقدها" الموجع.. "الفقد الأكثر إيلامًا في حياة المرء مهما كان عمره" كما يصف.
بدأ البرديني يروي الحكاية، فيقول: "أيقظتني من النوم بعد غفوةٍ قصيرة اختلستها من عمر الحرب قبل أن أذهب إلى عملي. تناولت خبزة جبن مع كوب شاي، وتركتها بعد أن غمرتني بدعواتها، ومضيت". يطأطئ رأسه مخفيًا دمعة: "لم أكن أتخيل أن أفقدها فجأة، وأن أنقلها بيدي إلى المشفى شهيدة، دون أن أعرف أنها أمي".
في الثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول لعام 2024م، هذا ما حدث فعلًا في منزل المسعف في الهلال الأحمر الفلسطيني عبد العزيز البرديني (29 عامًا)، الذي يسكن مخيّم المغازي وسط قطاع غزة.
في هذه الحرب، ومن دون مقدمات، تجد نفسك "الهدف"، في كل ما تحبه. حلمك، بيتك، مشروعك، ابنك، ابنتك، زوجتك.. "وأمك" يضيف.
ويتابع: "هذه المرّة استهدفوني بها. جعلوني أحمل جثمانها ولم أعرف أنها حبيبتي، مأمني وأماني في هذا العالم، غادرَت وتركتني وحيدًا، صرتُ أنا عبد العزيز، يتيم الأب والأم".
ويضيف: "تحولت من إنسان يركض نحو الجرحى والمصابين وجثامين الشهداء، إلى "ابن الشهيدة"، المسعف الذي فُجع بأمه دون أن يعرفها! كيف لم أعرفها؟! قتَلَ الاحتلال أمي سميرة عبد العال البرديني (63 عامًا)، بينما كانت تستقلُّ مركبةً في طريقها لأداء واجب العزاء في بعض الأقارب".
يحكي الشاب عن يوم مأساته، بأنه استقبل ورفاقه إشارة باستهداف إسرائيلي وقع في مخيم المغازي، وصلوا خلال ثلاث دقائق، وهناك "كانت النيران مشتعلة في مركبة. أنا أمسكتُ بطفلٍ كان لديه نزيف داخلي وحاولت إسعافه، ثم انتشل زملائي جثمان سيدة. ذهبتُ سريعًا فكشفتُ عن وجهها لأتأكد إذا ما كانت جريحة تحتاج لمساعدة، أم أنها قضَت تحت القصف".
"كنت بانتظار شخص آخر ليتعرف عليها، راودني شعور أنني لمحت وجهها وربما أعرفها، كشفتُ عن وجهها مرة ثانية، تأملتُها وأخذتُ وقتًا حتى فجعت بأنها أمي!".
عاد عبد العزيز للطفل بعدما لاحظ أن النفسَ انقطع منها وتوقف قلبها عن النبض، حمل زملاؤه الشهيدة، وكان الطفل وجريحٌ آخر في سيارة الإسعاف نفسها، حيث انطلقت مسرعة إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط القطاع.
يكمل: "بعد أن اصطحبنا الطفل لداخل المستشفى، عدتُ لحمل جثمان السيدة للطبيب الذي أكد استشهادها فعلًا، فكان عليه نقلها إلى ثلاجات الموتى حتى يأتي أحد من عائلتها".
يقول هنا "كنت بانتظار شخص آخر ليتعرف عليها، راودني شعور أنني لمحت وجهها وربما أعرفها، كشفتُ عن وجهها مرة ثانية، تأملتُها وأخذتُ وقتًا حتى فجعت بأنها أمي!".
لم يصرخ عبد العزيز في حينها، حاول استيعاب الأمر، ثم انفجر باكيًا "إنها أمي، حبيبتي يمّه والله ما عرفتك يمّه"، تجمّع رفاقه حوله وأخذوا يتساءلون: "هل أنت متأكد؟ لماذا لم تعرفها من البداية؟"، صدموا بما حدث لكن صدمته كانت أكبر من هذا كله.
"كانت تخشى خبر استشهادي أنا، كوني أنا الذي أعمل في أماكن الخطر. لم أتوقع يومًا أنني سأفقدها، بل سأنتشل جثمانها وأنا لا أدري أنها أمي".
يصمت الشاب ثم يتذكر آخر لحظاته معها، يتحدث بأنه من اليوم لم يعد لديه أم تيقظه من النوم وتعد له طعام الفطور. لم يعد أحد يمنحه اهتمام الأم وحنانها، ففي أحضانها كان الفرح وكل لحظات الانهيار، "عمود الدار راح!" هكذا يصفها، ليس له فحسب، بل لإخوانه وجيرانه وأقاربه وكل شخص بحث عن الأمان فوجده في عينيها.
يذكر أنها دائما ما كانت توصيه وزملاءه المسعفين، ألا يخاطروا بأنفسهم تحت نيران عدو لا يرحم.
كانت مؤمنةً بعملهم، ومؤمنة بضرورة وجودهم وأهميته للناس في هذا الوضع، مضيفًا: "كانت تخشى خبر استشهادي أنا، كوني أنا الذي أعمل في أماكن الخطر والكل يعرف أن الطواقم الطبية استهدفت مرارًا في الحرب دون حساب. لم أتوقع يومًا أنني سأفقدها، بل سأنتشل جثمانها وأنا لا أدري أنها أمي".
في لحظات الوداع، كان أكثر ما يتمناه الشاب أن يطول الوقت. لم يرغب بأن يبعده أحد عنها، كان دمها على ملابسه، أخذ يحدثها ويظن أنها تسمع، أخبرها أن دمها هذا بمثابة عسل على قلبه، أخبرها أنه لن يستوعب كيف قرر الاحتلال أن يصبح يتيمًا من أمه، هكذا دون مقدمات ودون سبب مقنع!
"أنا كيف ما عرفتك يا أمي؟" يتساءل في كل دقيقة، ويسرح بتفاصيل الحدث، "ربما أنني لا أريد أن أصدق ما حدث، ربما لأنني انتظرت أن يأتي أحد غيري ليقول إنها أمه!" يجيب نفسه.
