غزّيون يواجهون "الغبار" و"الحصار".. بقنو بلح!
تاريخ النشر : 2024-11-03 12:14

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

كانت دعاء حبيب (37 عامًا) تجلس عند مدخل خيمتها في مخيم إيواءٍ بدير البلح، تحاصرها الحيرة إزاء الرمال وبقايا الطعام المتناثرة على الأرضية، "كيف يمكن تنظيفها في وقتٍ جعلت فيه الحرب توفير أبسط أدوات الحياة -المكنسة مثلًا- بمثابة معركةٍ يومية؟".

أصبح الحصول على مكنسة مهمَّة شبه مستحيلة بين سكان قطاع غزة، حيث ارتفعت أسعارها بشكل خيالي بعد أن منعت دولة الاحتلال دخول المكانس ضمن سياسة الحصار التي اشتدت بعد اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023م، لكن زوجها حسن، لم يقف مكتوف الأيدي.

في ليلة ما، جاءه الإلهام وهو يتأمل شجرة النخيل القريبة من المخيم، فتذكر "قنو البلح" المتدلي بثماره الجافة.

ولمن لا يعرف "قنو البلح" فهو ذلك العنقود الذي يحمل ثمار البلح (التمر) على النخلة، ويعدُّ جزءًا من الشمراخ الزهري، وهو عبارة عن مجموعة من الأغصان التي تتدلى منها ثمار البلح.

اقترب حسن من النخلة، وبدأ بقطع بعض الأغصان الصفراء وترتيبها بعناية بجانب بعضها. أخذ يخيط الأغصان سويًا باستخدام خيوط قوية جمعها من أكياس الطحين التي استلمها من وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، حتى أصبحت بين يديه مكنسة صغيرة، بدائية، ولكن فعالة.

في الصباح، أهدى حسن زوجته المكنسة المبتكرة بابتسامة فخر. تقول دعاء بلهجة ضاحكة لـ"نوى": "عندما بدأت بتجربتها شعرت بسعادةٍ لا توصف. لأنه أصبح لدي مكنسة، ولأن زوجي أصبح كأينشتاين".

بدأت دعاء بكنس خيمتها، تحرك الرمال والغبار بابتسامة، ومع كل حركة للمكنسة، كانت تشعر وكأنها تزيح غبار الحرب عن حياتها.

وتضيف: "هذه المكنسة أكبر من مجرد أداة تنظيف. إنها رمز للمقاومة، والإصرار على الحياة حتى في أبسط الأمور".

المكنسة.. رفاهية

في سوق دير البلح، كانت هناك بسطة صغيرة لبيع المكانس الجاهزة المعهودة وبعض المنظفات.

يقول أبو محمود صاحبها لـ"نوى": "قبيل الحرب، كانت المكنسة بسعر معقول، حوالي 8 شواقل، يستطيع أي شخص تحمل ثمنها، لكن اليوم سعرها وصل إلى 80 شيكلًا، يعني ارتفع عشرة أضعاف".

وأضاف: "الناس تسألني لماذا ارتفع السعر؟ والجواب بسيط: الحرب هي السبب. إغلاق المعابر جعل كل شيء نادر وصعب الحصول عليه".

وأوضح أنه نادرًا ما يبيع مكنسة، بسبب أن النازحين أصبحوا ينظرون لها على أنها كماليات ورفاهية وليست أولوية، مقارنةً بسعيهم لتوفير الطعام في ظل هذه الحرب التي أفقدتهم أعمالهم ووظائفهم.

"هذه المكانس تكسر بسرعة، ولا تتحمل الاستخدام اليومي، ولكنها تبقى الخيار الوحيد لمن لا يستطيعون دفع ثمن المكنسة الجاهزة".

ثم أضاف بابتسامة متعبة: "في بعض الأحيان، يلجأ الناس للنجارين في المخيمات لصناعة مكانس بدائية. يأخذون قطعًا خشبيةً بسيطة، ويضيفون بعض الألياف المصنوعة من البلاستيك، لكنها للأسف لا تدوم طويلًا. هذه المكانس تكسر بسرعة، ولا تتحمل الاستخدام اليومي، ولكنها تبقى الخيار الوحيد لمن لا يستطيعون دفع ثمن المكنسة الجاهزة".

ولفت أبو محمود النظر إلى أن الناس كانوا يرون في المكنسة شيئًا بسيطًا، لا يلتفتون إليه، لكنه أصبح اليوم من بين الأدوات التي يصعب امتلاكها.

الابتكار من رحم المعاناة

ويقول الأخصائي الاجتماعي إياد الشوربجي لـ"نوى": "لدى الناس والمجتمعات قدرة على التكيف مع الإمكانيات المتوفرة عندما يعيشون أزمات وكوارث، فيتجهون للابتكار. وهذا ما جبلت عليه البشرية منذ القدم".

وأوضح الشوربجي أن المجتمع في غزة شهد أنواعًا شتى من الأزمات والحروب، التي تركت آثارًا عميقة في كل بيت وحي، لكن هذه المعاناة رغم قسوتها ولدت قوةً لدى الناس للتكيف مع الواقع والبحث عن حلول بسيطة لسد احتياجاتهم الأساسية.

وأضاف: "الناس هنا مضطرون للتأقلم بسرعة، لأن الحياة تستمر رغم كل شيء، ويُعرف عن الفلسطينيين أنهم لا يستسلمون للظروف مهما كانت قاسية".

وبين الشوربجي أن ابتكار مكنسة من قنو البلح، يعد مثالًا حيًا على قدرة الإنسان على استخدام ما حوله لتحسين ظروف حياته.

وتابع: "المكنسة المصنوعة من قنو البلح تمثل نوعًا من التحدي والإصرار. الناس في المخيمات، وخاصة أولئك الذين نزحوا من منازلهم، يواجهون نقصًا في أبسط أدوات التنظيف، ومع غياب المكانس وارتفاع أسعارها بسبب الحصار، اضطر البعض للتفكير خارج الصندوق، فكانت النتيجة هذه المكنسة البسيطة".