غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"بدنا نزرع، بدنا نرجع للأرض كيف ما كانت الظروف، بدنا نكسر حصارنا بإيدينا" شعارٌ رفعه المهندس الزراعي يوسف أبو ربيع، تحت الحصار المشدد في شمالي قطاع غزة، فعاقبته "إسرائيل" بالقتل!
استُشهد الشاب الذي رفض الاستسلام لتبعات الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م. استشهد قبل أن يكمل الرسالة التي نذر نفسه لها تجاه أبناء شعبه، عندما حاول توفير الطعام من العدم في بيته وأرضه وبين الأزقة بمدينة بيت لاهيا شمالي القطاع، حيث نثر البذور ورعاها، وأطعم الجائعين ما استطاع لذلك سبيلًا.
كان يوسف (24 عامًا) في عامه الأخير قبل التخرّج عندما أعلنت "إسرائيل" حربها على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول- 2023م. لم يفرح بثوب التخرج، لكنه كان راضيًا تمامًا "وهو المزارع ابن المزارع" كما كان يُعرّف نفسه، عما قدمه في هذه الحرب لأهله وللوطن من دعمٍ وصمود ومساندة إنسانية.
تحول الشاب إلى أيقونة يُحتذى بها في قطاع غزة، بعد أن قام بإعادة تأهيل وزراعة أرض عائلته التي دمرها الاحتلال في بيت لاهيا بمحاصيل عديدة خدمت عشرات الآلاف من السكان، ووزع بعضها في أزقة المدينة، كي تكون بعيدةً عن عيون الطائرات الحربية، ومضى يحاول.. حتى قضى شهيدًا.
في الثالث والعشرين من أكتوبر الجاري، قصفت قوات الاحتلال منزل عائلته شمالي القطاع، فارتقى يوسف بعد استهدافات عديدة نجا منها سابقًا. كان الخبر صدمةً لكل من عرفوه.. أولئك الذين أثقل الفقد قلوبهم أصلًا بين شمال القطاع وجنوبه.
"سوف تحيا من أجلي، وينبت فيها الشجر. سوف يجدني هذا المكان في الوقت الذي أضاع العالم كله غزة".
في مقابلة سابقة ليوسف مع "نوى"، أخبرنا عن كيفية تحويله الركام إلى زراعة، من أرض مدمرة سيطر عليها اللون الرمادي إلى خضراء، ترعرعت فيها أشتال كثيرة لتعطي أملًا للمحاصرين شمالي قطاع غزة.
وروى لنا كيف كان ذلك دافعًا للعديد من المزارعين، كي يعودوا لأراضيهم ويزرعوها، كما ألهم الكثيرين أن يزرعوا أمتارًا صغيرة في مداخل منازلهم كي يعتمدوا عليها بدلًا من انتظار سماح "إسرائيل" لدخول المساعدات، التي غالبًا ما تحتوي على معلبات "الفاصولياء والبازيلاء واللوبيا".

كان يوسف مؤمنًا بإمكانية الزراعة، "حتى لو اقتلعت آليات الاحتلال الأشجار من جذورها" قال، ويعرف أن هذه أرضه التي لن تخونه، "سوف تحيا من أجلي، وينبت فيها الشجر. سوف يجدني هذا المكان في الوقت الذي أضاع العالم كله غزة" أضاف.
وتشهد بيت لاهيا، توغلات برية عنيفة وواسعة، دمّرت خلالها الآليات العسكرية الإسرائيلية بشكلٍ متعمّد، كافة الأراضي الزراعية بشكلٍ كامل، عبر تجريفها، وقصفها، واقتلاع أشجارها، والتنكيل بأهلها واعتقالهم وقتلهم وتهجيرهم.
كان يوسف يذهب لتفقد أراضي عائلته الزراعية في كل مرة تسمح له الظروف بذلك، ويبحث عن أي فرصةٍ للنجاة بالمزروعات، عبر استصلاح الشتلات التي نبتت جراء تساقط بعض الثمار، تلك التي كانت محظوظةً فنجت بنفسها بالسقوط إلى التربة والاختباء فيها مجددًا، قائلًا: "نحن أناس ليس لدينا مصدر رزق سوى الزراعة، وبرغم الخسائر المهولة التي لحقت بنا لكننا نحاول".
عمل الشاب وعدد من أفراد عائلته على مشروع "التشتيل"، الذي يعتمد على جمع الشتلات من الأراضي الزراعية القريبة من الحدود مع الاحتلال، تحت تهديد الاستهداف المباشر، ونقلها إلى أماكن أخرى يستطيعون الوصول إليها.
بين ركام منزلهم، أنتجوا مجددًا المزروعات بالتزامن مع سياسة التجويع التي تتبعها "إسرائيل" مع المحاصرين في مدينة غزة وشمالي القطاع.
ومن كلامه الذي ردده كثيرًا للإعلام سابقًا وربما أغاظ الاحتلال، قال: "كان من الصعب عليَّ أن أرى الأرض التي اعتدتُ على مشاهدتها خضراء، قاحلة ومدمرة، قررنا جميعًا أنا وأفراد عائلتي إحياءها بكل ما نستطيع، حتى لو على حساب حياتنا".
ومن المحاصيل التي حظيت الأرض باستقبالها مجددًا، الباذنجان والفلفل والفراولة، إذ قامت عائلة أبو ربيع بنقلها إلى أقرب نقطة يستطيعون الوصول إليها، محاولين قدر الإمكان إعادة تأهيل التربة لتحتضن هذه الشتلات من أجل مساعدة الناس على الحصول على الأغذية، ولو بالحد الأدنى في ظل المجاعة.
تمكن يوسف من زراعة أكثر من 100 دونم بمحاصيل الكوسا، والملوخية، والفلفل، والباذنجان، ومحاصيل أخرى، تحت تحديات ومخاطر أبرزها استمرار الحرب، واستهداف أي محاولاتٍ للنهوض تحت هذه الإبادة، برغم تحديات أخرى تتمثل بعدم الحصول على المياه بالشكل المطلوب من أجل الزراعة، بالإضافة إلى تدمير ألواح الطاقة الشمسية وانقطاع السولار والوقود اللازمين لتشغيل الآبار، أحاقت بهم، ما أجبرهم على استخدام "زيت القلي" وهو أمر مكلف ومدمر، لكنه كان الحل الأوحد "إلى أن يكتب الله لهذه الحرب المدمرة نهاية" لكن النهاية كانت أقرب لشاب، حاول أن ينتزع فرص الحياة من بين كل الموت المنثور تحت هذه الإبادة.
