غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كانت في طريقها تبكي، ترافقها أمها التي لا تدري إلى أي اتجاهٍ تروح! أحد الصحفيين سألها: "شو مالك يا عمو؟"، فأجابته بصوتٍ يرتعش: "تعبت من المشي، ومش عارفين وين نروح. رجلي بتوجعني كتير".
طفلةٌ فلسطينيةٌ كانت بطلة مشهدٍ قصيرٍ وحزين، لمسلسل النزوح المستمر من شمالي قطاع غزة إلى جنوبه. كانت تمشي بسرعةٍ كبيرة ومن خلفها مدفعيات الاحتلال تضرب الأرض والسماء معًا، وطائرات الكواد كابتر تنثر الموت في كل مكان، وتستهدف كل من يفكر بالجلوس للراحة، أو بسلوك طيقٍ آخر غير طريق صلاح الدين من الناحية الشرقية للقطاع.
"ليس مهمًا اسمي" تزيد، وتكمل: "لن يضيف اسمي شيئًا للعالم الأصم. أنا أعرف أن رسالتي هذه لن تهز شعرة في نخوة هذا العالم الظالم".
تمسك بيدها أمها وتسير معها بخطواتٍ ثقيلة، وجسد منهك، ووجه شاحب. تحاول إقناعها بأنهما ستكونان بأمان، لكن هذا الأمر لم يعد قابلًا للتصديق. لم يعد مقنعًا، فجيش الاحتلال لن يقبل أن يهنأ في غزة إنسان دون أن يذوق مرارة الفقد. يستهدف الناس في خيامهم، وبيوتهم، وفي مراكز الإيواء، وفي المستشفيات والمساجد والكنائس بصواريخ تحرق أجسادهم، وتفتت أحلامهم وقلوب الأحبة.
"تركت أمي هناك لأنها لا تستطيع المشي. أجبروني على تركها ولا أعرف مصيرها الآن".
في طريق النزوح الإجباري من شملي غزة إلى جنوبها، وتحت القصف المباشر تقول آمال حسين: "قال لنا الجنود: اطلعوا على شارع صلاح الدين، وعند بوابته بادروا بفصلنا، احتجزوا الرجال ووضعونا نحن النساء في حفرة كبيرة قامت خلالها المجندات بتفتيشنا تفتيشًا مهينًا".
تتابع: "من بين النساء كانت هناك مريضات، ومُسنات! حتى الشابات كن منهكات بسبب التجويع والرعب الذي عاشه الناس في مخيم جباليا وفي بيت لاهيا وبيت حانون، لكن هذا بالطبع لن يفرق عند الجيش الذي لا يشبع من دم الفلسطينيين منذ أكثر من عام على بدء الإبادة".
تبكي آمال، وتمسح دموعها بمنديل رأسها الممزق، ثم تصرخ أمام إحدى كاميرات الصحافة، التي كانت ترصد حركة النزوح في أقرب نقطة إلى شمالي القطاع من ناحية الجنوب: "تركت أمي هناك لأنها لا تستطيع المشي. أجبروني على تركها ولا أعرف مصيرها الآن".
وفي محاولة لمواساتها، ضمتها نازحة أخرى كانت تسير بمفردها، قالت لها: "أنا أم لعشرة شهداء، أعاني من مرض القلب، ولا أعرف كيف أوصلتني قدماي إلى هنا بعد كل ما عشته في الشمال". بدت صامدةً كما لو أنها ما زالت في بيتها وأضافت: "طلعونا، بس بعون الله راح نرجع. لا احنا بنترك غزة، ولا غزة بتتركنا".
"بعد استشهاد أبنائي، لم يعد لي أحد، نحن في غزة ليس لنا أحد. الوضع مأساوي، صار الموت هو الأمر الطبيعي والنجاة هي الاستثناء. نموت بالصواريخ والقذائف، نموت من الجوع ونموت من الظلم أيضًا، على مرأى العرب".
"بعد استشهاد أبنائي، لم يعد لي أحد، نحن في غزة ليس لنا أحد. الوضع مأساوي، صار الموت هو الأمر الطبيعي والنجاة هي الاستثناء".
ووجهت الأم المكلومة أسئلتها بصوت عالٍ أمام كل الكاميرات المنصوبة هناك: "هل بقي شيء لم تعشه غزة؟ هل ستعيش أكثر لترى إن كان العالم سوف يتحرك من أجلها أم لا؟ ألا تعرفون أن بسقوط غزة تسقطون جميعكم؟" إلى هنا، أحكمت يدها بيد آمال، ومضت الاثنتان إلى حيث لا تعرفان أين تقودهما أقدامهما.
