احترق "شعبان" وصدحت وسط اللّهب صرخة: "سامحني يابا"
تاريخ النشر : 2024-10-21 15:19

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

التهمته النيران عبر البث المباشر. التهمت جسده وأحلامه وآخر الضحكات، ولم تُبق إلا صورةً له وهو يرفع ذراعه في وجه اللهب، حدث ذلك في الرابع عشر من أكتوبر/ تشرين أول الجاري، وهذه تفاصيل الحكاية.

صاروخٌ إسرائيليٌ استهدف خيام النازحين بساحة مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة. احترقَت الخيام المهترئة أساسًا من كثرة الترحال، والتهمت ألسنة اللهب الحجر والشجر.. والبشر أيضًا. شعبان الدلو (19 عامًا)، ووالدته وشقيقه الصغير، راحوا معًا ضحية هذا الاستهداف، ونجا والده وثلاثة من أشقائه بعد إصابتهم بحروق بالغة، ليتجرعوا مرارة الفقد ولوعة الفراق وحدهم.

والد شعبان، الخمسيني، أحمد الدلو، الذي كان يرتدي عمامته الحمراء ليغطي وجهه المصاب، تفقّد آثار الحريق في اليوم التالي للمحرقة. "كل شيءٍ أصبح رمادًا" قال بصوتٍ بالكاد سمعته "نوى"، وتابع مشيرًا بيده إلى بقعةٍ من الرماد: "هنا احترق شعبان".

وروى: "في ليلة المحرقة كنا نائمين. ذهبتُ إلى الحمام، ثم عدت، وبالكاد وضعت قدمي داخل الخيمة، حتى سمعت صوت انفجار".

يسكت قليلًا حتى يبتلع غصته، ثم يضيف: "حدث الحريق بسرعة البرق، ثم بدأت النيران تلتهم كل شيء. صرتُ أصرخ: ساعدونا، أولادي هنا ساعدونا.. تمكنت من انتشال الصغار، في هذا الوقت كان شعبان يحترق".

يكمل: "الجميع حولي كانوا يخرجون من الخيام وقد أمسكت بهم النيران، ويصرخون، بينما البعض الآخر أخرجهم أقاربهم بأجساد متفحمة. وكأنها القيامة. حاولتُ إخراج الباقين لكنني فشلت"، مردفًا: "زوجتي احترقت وتوفيت على الفور، بينما دفعت النيران باقي الأولاد للخارج مع شدة الانفجار ما أصابهم بحروق بالغة".

يزيد أبو شعبان: "أصعب ما قد يمر به الإنسان أن يشاهد أبناءه وزوجته يحترقون أمامه، بينما هو عاجز عن إنقاذهم".

أجهش ببكاءٍ شديد قبل أن يكمل: "عندما شاهدت شعبان يحترق أمامي جلست مقابله، وقلت له: (سامحني يابا مش قادر أساعدك، سامحنى أنا عاجز)، وكان هذا آخر حوار بيني وبينه".

لم تكن هذه المرة الأولى التي يصاب بها شعبان بالقصف الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة، إذ أصيب قبل ذلك برأسه في دير البلح، ليلقى مصيره بعدها بأقل من شهر حرقًا، بعد 5 رحلات من النزوح المتعب مع عائلته من شمال غزة إلى جنوبها، ثم العودة لوسطها.

لم يكن شعبان شابًا عاديًا بالنسبة لأبيه، فهو ابنه البكر، والمدلل بين أبنائه. كان متعلقًا بوالدته بشدة، لا سيما وأنها التي كانت على الدوام تشاركه أحلامه. "ولعل هذا السبب الذي جعلهما يرتحلان معًا".

كان شعبان يطمح لأن يصبح طبيبًا كونه طالب متفوق، وقد حصل في الثانوية العامة على معدل 97 % للفرع العلمي، كما أنه أظهر تفوقه في حفظ كتاب الله "القرآن الكريم"، إلا أن ظروف عائلته المادية جعلته يغيّر مسيرته لدراسة تخصص هندسة الحاسوب في جامعة الأزهر، وفي الوقت ذاته للعمل من أجل مساعدة عائلته في تحصيل مصروفه الشخصي.

يحكي أبوه: "كان رجلًا بمعنى الكلمة، وسندًا في تحمل أعباء النزوح، قائمًا بكل الواجبات معنا"، ملفتًا إلى أنه كان دؤوبًا في إظهار معاناة شعبه وسط الإبادة التي يعيشها من عام وأكثر، "وقد ظهر في أكثر من مقطع فيديو باللغة الإنجليزية متحدثًا للعالم الذي تعاطف معه كثيرًا" على حد قوله.  

نزح والد شعبان برفقة أسرته إلى خيمة بساحة مستشفى شهداء الأقصى، وكل ظنه أنه سيكون في مأمنٍ معهم، في حرم ساحة مشفى، تكفل المعادات الدولية أمنها حتى في ظل الحروب، لكنه اكتشف أن "لا أمان في غزة، كل شبر في هذه البقعة من العالم مباحة -كما تظن "إسرائيل"- لارتكاب المجاز، على مرأى العالم ومسمعه، وبحق النازحين، ولو داخل أسوار مستشفى.

استشهد برفقة شعبان 4 آخرون، بينما أصيب نحو 40 إنسانًا، وفق تصريحات وزارة "الصحة" بغزة.

واستشهد برفقة شعبان 4 آخرون، بينما أصيب نحو 40 إنسانًا، وفق تصريحات وزارة "الصحة" بغزة، التي قالت في بيانٍ أصدرته بعد المجزرة مباشرة "إن جثامين الشهداء تفحمت بالكامل، وأغلب الجرحى أصيبوا بحروق من الدرجتين الثانية والثالثة".