غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"أن تكون ملاذًا تحت القصف لجيرانك ومن تحبهم فهذا رصيدك من الحياة. شعورٌ لا يمكن وصفه أبدًا، شعورٌ يأخذك بعيدًا إلى حيث تشعر أن هذا الألم كله عابر، وأنك تعيش في سلامك بعدما أتممت المهمة". هكذا بدأت نجاة -التي كان لها من اسمها نصيب- رسالتها من قلب مخيم جباليا المحاصر منذ أكثر من أسبوعين، شمالي قطاع غزة.
وتابعت بهدوءٍ لا يمكن أن تتخيل أن إنسانًا يهدده الموت في أية لحظة يمكن أن يشعر به: "عندما أرى الفرحة على وجوه أطفال وصلهم رغيف خبزٍ ساخن خبزته للتو، وعندما تتبدل دمعة جارتي الجريحة لفرحٍ عارم بعدما أرسل لها ولأطفالها طبقًا من الفاصولياء والأرز، أعود لبيتي وقد تغلبتُ على خوفي كله".
نجاة أبو سيف (52 عامًا)، ابنة مخيم جباليا -الذي وصفته بأنه قطعة من قلبها- لم تخرج برسالةٍ عادية، هي إحدى نساؤه، اللاتي حملن أرواحهن على أكفهن فداءً لأهله، فما هي قصتها؟
تعمل نجاة على صنع الطعام بأقل الإمكانيات المتاحة قبل توزيعها على عدد من جيرانها وأحبابها المحاصرين، "وهذه الفكرة راودتني في أول أيام الحصار، كنوع من أنواع تعزيز الصمود في جباليا" تقول.
وتضيف: "هذه جباليا، مسقط رأسي وحارتي التي كبرتُ فيها وتزوجتُ وأنجبت، زوّجت أبنائي وصار لي أحفاد أفتخر بكونهم جميعًا من أبناء هذه البلدة الصامدة".
في كل يوم تشرق فيه الشمس، تدرك نجاة أنها ما زالت حية، وأن نجاتها من القصف الجنوني ربما يكون صدفة. تبدأ يومها بصنع القهوة أو الشاي لطعام الإفطار، وتطعم النازحين من أقاربها بجانب بعض الخبز والزعتر. ثم تبدأ رحلة إعداد طعام الغداء، الذي يعتمد على بعض المعلبات التي كانوا قد حصلوا عليها كمساعدات سابقًا.
"قلت لأهل حارتي أنتم مسؤولون مني ما استطعت. سوف أهتم بالطعام والشراب، سوف أجهز لكم المياه للاستحمام، وأقوم بتسخينها على الحطب. سوف أواسي الخائف منكم وأحتضن الأطفال، هذا بيتي هو بيتكم".
ومن الأصناف التي تصنعها "المعكرونة والأرز والفاصولياء ومناقيش الزعتر التي يغيب عنها زيت الزيتون للعام الثاني على التوالي". وتضيف: "تكفلت بأهل حارتي وجيراني الذين رفضوا النزوح والاستسلام. قلت لهم اعتبروني أمًا لكم، وأنتم مسؤولون مني. سوف أهتم بالطعام والشراب، سوف أجهز لكم المياه للاستحمام، وأقوم بتسخينها على الحطب. سوف أواسي الخائف منكم وأحتضن الأطفال، وهذا بيتي مفتوح لكم جميعًا، تعالوا عندي كي تُبعِدوا الخوف قليلًا عن قلوبكم".
ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، شهد مخيم جباليا على وجه الخصوص ثلاث توغلات برية، دفعت معظم سكانه إلى النزوح تحت تهديد القصف المباشر بالطائرات وقذائف المدفعيات ورصاص مسيرات "الكواد كابتر"، ما أدى إلى استشهاد المئات.
آخر هذه الاجتياح متواصل منذ أسبوعين، حيث وصل عدد الشهداء إلى 400 بحسب المصادر الطبية، عدا عن المفقودين تحت الأنقاض وفي الشوارع الفرعية.
عاشت نجاة خلال الإبادة الاجتياحات الثلاثة. لم تنزح من منزلها رغم القصف والتدمير، وتصف الأمر: "كل مرة تكون أصعب وأقسى من المرة التي سبقتها، عشنا الموت ورأيناه بأم أعيننا، ومع هذا كله قررنا البقاء هنا".
ولمن لا يعرف مخيم جباليا قبل الحرب، تخبره نجاة بأنه وكل مناطقه حيوية، يعمّه العز وأهله كرماء. كانت الحياة فيه جميلة ومريحة للبال، ينتشر الصغار في شوارعه عند الذهاب للمدارس وعند العودة. البسطات تُزيّن كل الطرقات، والنساء تبيع النعناع والبقدونس والفراولة الحمراء، أما الرجال فيفرشون أمامهم عربات البرتقال والتفاح، وينادون بالميكروفون لجلب الناس!
تتابع: "أكثر ما نتمناه اليوم أن تعود هذه الأيام، أن نأكل الفواكه وأن يعود الأمان والهدوء لشوارع البلدة عمومًا. أن ننعم بلعب الأطفال من حولنا وأن نتجول في أزقة المخيم، وأن نجلس مع هذه الجارة وتلك على أبواب منازلنا".
مواقف الحرب التي علقت بذاكرة نجاة كثيرة، لكن أصعبها يوم استهداف منزل جيرانها الذي بدأ بطائرة استطلاع، ثم طائرة حربية حوّلته لكومة من الركام، "لقد أسقطت الصواريخ الكثير من حجارة المنازل المحيطة على أصحابها وأنا من بينهم، لكنني نجوت، وهذا ما كان بالنسبة لي من معجزات النجاة من الإبادة" تخبرنا.
تزيد: "لا أعرف كيف نجونا؟ ظننت أننا استشهدنا برغم أنني قمت وركضت، لكن من هول المشهد اعتقدت أن هذا ما أراه بعد الموت".
تتمنى نجاة نهاية قريبة للجحيم المسمى بـ"الحرب"، أن تنعم بالراحة، وأن يعود الأحباب الذين نزحوا من شمالي القطاع إلى جنوبه، وأن يتوفر الغاز وساعات -ولو قليلة- من الكهرباء.
