غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"يا رب ما ضل النا غيرك يا رب" بهذه الكلمات، ودعت سمر محمود (35 عامًا)، جثمان شقيقها عندما كانت تلقي عليه نظرة الوداع الأخيرة في مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة.
رفضت سمر وعائلتها المكونة من 11 فردًا، الانصياع لأوامر جيش الاحتلال الإسرائيلي بالنزوح نحو الجنوب، رغم كل ما يعيشونه من حصار وقتل وتجويع، وقالت: "نعيش إبادة حقيقية، وكل ثانية تمر في هذه الحرب تقربنا من الموت أكثر. القصف كأنه زلزال، والقذائف تُطلق في أي اتجاه، ومُسيرات (الكواد كابتر) تطلق نيرانها صوب أي شيء يتحرك".
استشهد شقيق سمر بينما كان في طريقه لتعبئة جالون مياه نظيفة لطفله الصغير، الذي أوشك على الموت من شدة العطش. تضيف: "مؤونة البيت كلها نفدت، ونحن في الأساس نعيش مجاعة! لا نملك إلا بعض الخبز الناشف المتعفن الذي يرفض الدجاج تناوله"، مستدركةً: "لكننا مجبرون على أكله لإسناد أمعائنا الخاوية".
وتزيد بانفعال: "والله لو شو ما يعملو، ما بنطلع من مخيمنا. عودة النازحين كلهم مرتبطة بثباتنا وصمودنا، وإحنا ما راح نخذلهم".

ومنذ 10 أيام، يعيش عشرات آلاف الفلسطينيين شمالي قطاع غزة، وخاصةً في مخيم جباليا، وبلدات جباليا البلد، والتوام، والكرامة، والعطاطرة، وبيت لاهيا، وبيت حانون، وضعًا مأساويًا في ظل إطباق الحصار الإسرائيلي على هذه المناطق، واستهداف كل متحركٍ فيها، وقيام جيش الاحتلال بمزيد من العمليات البرية والتفجيرات ونسف المنازل في مسعى لتهجير السكان المتبقين في المنطقة.
وبينما تعيش المناطق ضغطًا عسكريًا، وحصارًا مطبقًا، وضع جيش الاحتلال سواتر ترابية لمنع الحركة إلى الغرب من مخيم جباليا في منطقة دوار أبو شرخ، ضمن مساعيه لتحريك الفلسطينيين شرقًا باتجاه منطقة "الإدارة المدنية"، التي تحدث مواطنون، عن أن الجيش وضع فيها ممرات للمراقبة وكاميرات وأجهزة تصوير، للتدقيق في هويات النازحين المتوقعين.
تشكل هذه العملية، في حال تنفيذها، تهديدًا لحياة 400 ألف فلسطيني، يرفضون ترك ما تبقى من منازلهم وأراضيهم، والنزوح إلى جنوب غزة.
كل ما يحدث في شمالي قطاع غزة، ينمّ عن نية الاحتلال تنفيذ ما روّج له في إعلامه حول "خطة الجنرالات"، التي تنص على تفريغ تلك المناطق التي تمثل نحو ثلث مساحة القطاع تقريبًا، بما فيها مدينة غزة من السكان، ثم إعادة احتلالها.
وتشكل هذه العملية، في حال تنفيذها، تهديدًا لحياة 400 ألف فلسطيني، يرفضون ترك ما تبقى من منازلهم وأراضيهم، والنزوح إلى جنوب غزة.
ويحاول مازن أبو كرش (40 عامًا)، أحد المحاصرين في المخيم برفقة عائلته المكونة من 20 فردًا، وصف المشهد بالقرب منه، فيقول: "القناصة ينتشرون فوق أسطح البنايات، يقومون بقتل كل من يتحرك. عشرات الشهداء ملقون في الشوارع. المنازل فُجرت بالروبوتات فوق على رؤوس ساكنيها، والأشلاء تحت الأنقاض تنهشها الكلاب، بينما يمنع الاحتلال سيارات الإسعاف من الوصول للمصابين".
ويضيف: "نحن نموت من الجوع والعطش، فالاحتلال قصف جميع آبار المياه، كل هذا والعالم خارج غزة يتفرج علينا ولا يحرك ساكنًا". يسكتُ قليلًا لابتلاع غصته، ثم يكمل: "ربما تكون هذه شهادتي الأخيرة، قد أغدو شهيدًا في أية لحظة".

وأوضح أن جيش الاحتلال يطلب من أهالي مخيم جباليا وشمالي غزة النزوح إلى الجنوب، بزعم أنها مناطق آمنة، "وهو يرتكب المجازر في مخيمات النازحين. هذه سياسة تطهير عرقي، وليس تفاصيل معركة فقط".
ويشرح يوسف فارس، الذي يرفض النزوح إلى الجنوب، كحال معظم من في شمالي القطاع معاناته، فيقول: "نحن أمام امتحان عظيم، إخلاء المنازل والمناطق التي نسكن فيها يعني الخروج للأبد، وهذا ما يجعل الجميع يفاضل بين الموت في بيته أو النزوح، وغالبًا ما يرجحون كفة الموت".
ويشير إلى أن الواقع المُشاهد في الشمال، يقول إن جيش الاحتلال الإسرائيلي ينفذ أكبر عملية إخلاء وتهجير قسري، لكن بأدوات مغايرة عما تم الحديث عنه في الإعلام عن تفاصيل الخطة، "نحن هنا نواجه الموت قصفًا، وليس جوعًا فقط".
تعطي الخطة مواطني المناطق الشمالية مهلة أسبوعين من أجل النزوح جنوبًا عبر ممرات آمنة يحددها جيش الاحتلال، وذلك بعد إخضاعهم للتفتيش على محور حاجز "نيتساريم"، ثم ستُعلن بعد انتهاء المهلة المحددة المنطقة "منطقةً عسكرية مغلقة".
وتعطي الخطة مواطني المناطق الشمالية مهلة أسبوعين من أجل النزوح جنوبًا عبر ممرات آمنة يحددها جيش الاحتلال، وذلك بعد إخضاعهم للتفتيش على محور حاجز "نيتساريم"، الذي يقسم القطاع إلى جزأين، ثم ستُعلن بعد انتهاء المهلة المحددة المنطقة "منطقةً عسكرية مغلقة".
وتتحدث الخطة صراحةً عن اعتماد الحصار والتجويع، للوصول إلى ما تسميه "تطهير الشمال".
وتعتمد المرحلة الثانية من الخطة المذكورة، على القتل المباح لكل من يرفض النزوح القسري، إذ سيعدُّ جيش الاحتلال كل من بقي في منطقة شمالي قطاع غزة، "مقاتًلا غير شرعي" في صفوف حركة "حماس" وحركات المقاومة الأخرى، بغض النظر عن هويته، طفلًا كان أو شيخًا، وسيكون معرضًا للاستهداف بالقتل أو السجن أو التجويع حتى الموت.
سيناريوهات متوقعة
ويؤكد الباحث السياسي عزيز المصري في حديثه لشبكة "نوى" أن صمود سكان مخيم جباليا، وشمالي قطاع غزة عمومًا، وتمسكهم بالبقاء في بيوتهم ومناطقهم، هو الحل الوحيد الذي سيفشل خطة الاحتلال.
وأوضح المصري أن العملية العسكرية في شمالي القطاع، بدأت بحجة القضاء على ما تبقى من جيوب المقاومة، بينما نقى الجيش الإسرائيلي ووسائل الإعلام التابعة له، أن تكون العملية العسكرية هي تنفيذ لخطة الجنرالات، "لكن ما ينفذ حاليًا بمخيم جباليا، وامتدَّ لباقي مناطق الشمال، هو تنفيذ حرفي للخطة" يستدرك.
ويتوقع عزيز أن يتم تقسيم شمالي غزة ومدينة غزة لعدة محاور، تسهّل عملية السيطرة والمتابعة لقوات الجيش الإسرائيلي، وبالتالي تسهيل عملية دخول وخروج الدبابات والآليات العسكرية بشكل مطلق.
"رفض سكان الشمال التفكير في المغادرة سيشكل عبئًا كبيرًا على قوات الاحتلال في التعامل مع أهداف العملية العسكرية في الشمال، وبالتالي حصر العمليات في مخيم جباليا لتدميره على أمل إجبار العائلات على النزوح إلى الجنوب".
وبحسب رؤية عزيز، فإن رفض سكان الشمال التفكير في المغادرة سيشكل عبئًا كبيرًا على قوات الاحتلال والجيش، في التعامل مع أهداف العملية العسكرية في الشمال، وبالتالي حصر العمليات في مخيم جباليا في الوقت الحالي لتدميره على أمل إجبار العائلات على النزوح إلى الجنوب.
وأردف بالقول: "في هذه المرحلة، سيكون الهدف المرحلي للحملة تصفية المقاومة، فإذا تحقق، يمكن إنهاء العملية العسكرية عند هذا الحد"، مشيرًا إلى أن هذا هو السيناريو الأقرب للتحقيق
وبخلاف عمليات الاجتياح السابقة، التي تراوحت مدتها بين أسبوع وثلاثة أسابيع في إطار “المرحلة الثالثة” من حرب الإبادة على غزة، تزعم تقديرات إسرائيلية أن هذه العملية قد تستمر لعدة أشهر “من أجل استمرار القضاء على محاولات المقاومة إعادة بناء نفسها”.
