غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"راحت نص العيلة وظل النص التاني" قالتها رغد الزرد وبكت. لخّصت بها نهاية رحلتهم إلى النجاة بعد 11 شهرًا من المحاولة، وحكت بحُرقةٍ وقهر، تفاصيل الساعات الأخيرة.
كيف يمكن أن يُمضي أحدهم ساعات بين جثامين أحب الناس إلى قلبه؟ كيف يتحرك بينهم في محاولةٍ لإنقاذ من تبقى منهم على قيد الحياة؟ كيف يمكن أن يستوعب عقلك مصيبةً كهذه ألمّت بعائلة كاملة، كانت للتو تتجاذب أطراف الحديث وتضحك؟
تقول: "قبل دقائق فقط، كان المنزل يضج بالحياة. كانت أمي قد ذهبت لتحضر لنا الشاي وبعض الكعك، وكنا نتبادل أطراف الحديث، نحضّر مفاجأة لأختي التي كنا ننتظر تخرّجها خلال أيام، ونترقب آخر التطورات على الأرض، إلى أن جاءت اللحظة التي توقف فيها كل شيء. لحظة غيرت كل شيء في حياتي، وحياة أسرتي".
تعود بمخيلتها إلى ذلك اليوم المشؤوم، وتضيف: "بدأ الدخان يتصاعد من كل مكان، ورائحة الدم والموت تفوح. كانوا جميعًا قبل دقيقة يضحكون، وها هم الآن حولي ما بين مصاب وشهيد".
تحكي كيف كانت أمها تنزف بشدة بعد أن أصيبت في قلبها وظهرها، بينما شقيقتها الكبرى استشهدت على الفور، "أنا ووالدي كنا ما زلنا قادرَين على الحركة، ولم نصب بأذى يذكر. كنا نحاول أن نفعل أي شيء لإنقاذ أمي. حملها لنقلها إلى المشفى، لكن مسيّرات الكواد كابتر بدأت بإطلاق النار نحوه. أصيب في قدمه وبطنه، وسقط شهيدًا قربها" تتابع.
لا تعرف رهف كيف تحمّلت أن تمكث بين جثامين أحباءٍ كانوا قبل دقائق على قيد الحياة. تحاول جعل أي أحدٍ منهم يتحرّك. كيف تقبلت الفكرة والخبر: "لا أعرف كيف استسلمت في لحظةٍ واحدة لحقيقة فقدان الأم والأب والشقيقة! بينما بقي مصير شقيقتي الصُّغرى وشقيقي وبقيّة الجرحى معلق بأمل إنقاذهم قبل فوات الأوان".
وكان المنزل الذي نزحت إليه عائلة الزرد في منطقة معن شرقي خانيونس، تعرض للقصف إثر توغل مفاجئ لآليات الاحتلال في المنطقة، وقد سقط جميع من فيه ما بين شهيد وجريح، بينما كانت إصابة رغد طفيفة، ما جعلها تحاول أن تفعل كل ما بوسعها من أجل وقف نزيف المصابين حولها.
تتابع: "كنتُ أركض من مكانٍ إلى مكان. أحاول تضميد جراح رهف وعبود وأحمد. اتصلتُ بالصليب والهلال الأحمر، لكنني كنت أعلم أن لا مجال لإخلائنا طالما التوغل مستمر، وهو ما كان يعني أنني في أي لحظة يمكن أن أفقد شخصًا آخر ممن هم ملقون حولي، يغرقون بدمائهم".
رغد التي تعاملت مع سبع إصابات وهي مصابة، نسيت أنها قد تصبحُ شهيدةً مثل والدتها وشقيقتها وابن عمها ووالدها، بل راح عن بالها أن تحتمي بجدار أو عامود صلب. نسيت نفسها فانشغلت بين المصابين والشهداء وهي تصرخ وتنادي على من ينقذهم.
ست ساعات مرت وكأنها الدهر، وكأن الزمن قد توقف حتى انسحب جيش الاحتلال، وتمكّنت طواقم الإسعاف من إخلاء الشهداء والجرحى.
ليلةٌ لا يُمكن أن تمحى من ذاكرة رغد، وهي التي تكثف الدعاء اليوم لشقيقتها الغائبة عن الوعي والمصابة بإصاباتٍ خطيرة، وكل ما تتمناه أن يتم تحويل شقيقها وشقيقتها قبل أن تفقدهما في حرب إبادة مستمرة.
