حمدان عنابة .. شهيد الطريق إلى "جرحى" الشمال!
تاريخ النشر : 2024-10-07 15:33

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"أُعدم في أول يومٍ من اعتقاله. هذا ما وصلني من المؤسسة الحقوقية التي تتابع قضيته، بعد تسعة أشهرٍ من اقتياده على أيدي جنود الاحتلال لجهةٍ مجهولة" تقول بدرية، زوجة المسعف حمدان عنابة.

تتساءل الزوجة: "ما الذنب الذي اقترفه؟"، متابعةً بحرقة: "كان يحاول إنقاذ الجرحى والمرضى من شمالي القطاع. كان يؤمن أن هذه رسالته، وإلا فلِمَاذا عليه أن يكون مسعفًا؟".

يعمل حمدان في جهاز الإسعاف والطوارئ التابع لوزارة الصحة في قطاع غزة، وقد اعتقلته قوات الاحتلال، وأخفته قسريًا بتاريخ 2/12/2023م.

لم تترك زوجته جهةً لم تحاول التواصل معها لمعرفة مصيره، هكذا حتى مرت تسعة أشهر. في الثامن من أيلول/ سبتمبر الماضي، وصلها الخبر اليقين من مؤسسة "مسلك" الحقوقية: لقد أُعدم بدمٍ بارد في سجن سديه تيمان، في نفس يوم اعتقاله عند حاجز نتساريم حيث كان يقوم بعمله في نقل المرضى من شمالي قطاع غزة إلى جنوبه، بتنسيق مسبق من خلال وزارة الصحة الفلسطينية في رام الله.

تحكي الزوجة: "خرج زوجي وطاقم العمل أربع مرات نحو الشمال لنقل المصابين بعد قرار إخلاء الشمال، ورغم ما كانوا يتعرضون له من تنكيل وإذلال، إلا أنهم لم يتوانوا عن الاستمرار في تأدية واجبهم الإنساني، وفي اليوم الخامس اعتُقل أربعة منهم (حمدان عنابة وأنيس الأسطل ومحمد أبو سمك وعبد الكريم أبو غالي)، أُفرج عن اثنين، وبقي مصير حمدان وأنيس مجهولًا، حتى وصلني الخبر.

ليالٍ طويلة وصلتها عائلة حمدان بالنهار في انتظار أي خبر عنه، تضيف: "اعتقل زوجي في ذات اليوم الذي جاءتنا فيه أوامر الإخلاء لغالبية مدينة خانيونس حيث نسكن، ومضت علينا أيام كثيرة ونحن نتوقع أن يخرج في أية لحظة، على اعتبار أنه اعتُقل أثناء تأدية عمله، وهو ليس مطلوبًا بأي شكل من الأشكال".

مع مرور الوقت والإفراج بعض زملائه، وتأكيدهم أن آخر مرة شاهدوه فيها كانت يوم الاعتقال ذاته، بدأ القلق يتسرب إلى قلب الزوجة المكلوم أصلًا بفعل غيابه. تضيف: "كنتُ أتلهف لسماع أي خبر عنه. أتابع كل أخبار الأسرى، وأي مستجدات حول ملفهم، وكشوفات أسماء المفرج عنهم أسبوعيًا. أحاول الوصول لأي منهم وسؤاله عن حمدان، هل رآه؟ هل هو بخير؟ كنا كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، سيما وأن لا معلومات رسمية تصلنا من الجانب الإسرائيلي الذي يتعمد إخفاء الأسرى وأخبارهم".

وتتابع: "لم يره أحد، لا يعرف عنه أي شخص أي شيء، لا كيف؟ ولا أين اختفى؟ كان هذا سؤالي للمنظمات الحقوقية، وكل مرة كانت الإجابة: (هناك ما يقارب 2000 أسير تخفي إسرائيل أخبارهم، وحمدان واحد منهم). كنت أسأل نفسي "لماذا؟"، وأنا التي تعرف زوجها جيدًا، إذ كان يؤدي عمله بشغفٍ ولم يتوانَ يومًا إلى أن جاءني الخبر الذي قلب كل الموازين، وكان مخالفًا لكل التوقعات. حمدان استشهد".

وقع الخبر على قلبها كلطمة قاسية. "أنا وأبناؤه كنا نعد الأيام والشهور في انتظار أي خبر يبشرنا بعودته قريبًا كغيره من الأسرى العاملين في جهاز الإسعاف والطوارئ".

ورغم مرور ما يقارب شهر على إبلاغ عائلة حمدان باستشهاده، إلا أن زوجته وأبناءه ما زالوا يتشبثون بأمل أن يكون هناك خطأ في البيانات. "ربما تشابه أسماء" تقول الزوجة، التي ترفض تصديق الخبر، طالما لم تستلم جثمانه، أو صورةً له.

تفتقد بدرية اليوم حمدان الذي كان نعم الزوج والسند طوال 24 عامًا من الزواج. "لقد ترك فراغًا كبيرًا لدي ولدى أبنائه. كان يعيش معنا كل تفاصيل حياتنا، (ترك خلفه أربعة بنات وولدين)، فقد تزوجتُ صغيرة، وكان حمدان هو من يتحمل المسؤولية كاملة في كل شيء".

لا تنسى زوجته يوم عاد ودموعه في عينيه إثر ما شاهده أثناء إخلاء الشهداء في أحد المنازل. وجد أبًا وابنه شهداء، يحتضن أحدهما الآخر، "ولم يعرف أننا بعد اعتقاله مررنا بما يشيب له الولدان".

يعرف عن حمدان أنه كان أسرع من يلبي نداء الواجب حتى في أيام عطلته الرسمية، وما أن تندلع الأحداث حتى يرتدي زيه ويتوجه لعمله، ولا تنسى زوجته يوم عاد ودموعه في عينيه إثر ما شاهده أثناء إخلاء الشهداء في أحد المنازل حين وجد أبًا وابنه شهداء، يحتضن أحدهما الآخر، وقد تم دفنهما معًا، "ولم يعرف أننا بعد اعتقاله مررنا بما يشيب له الولدان" تعلق.

 تفتح هاتفها على صورة له وصوت، تحدثه: "عشرة شهور من الوجع والذل والقهر والنزوح من مكان لمكان على أمل عودتك سالمًا. تغيب عنا في وقتٍ نحن بأمس الحاجة فيه إليك. وقت النزوح، والذل والحرمان، والخوف والتوتر والجوع والمرض وقلة ذات اليد".

تتابع: "في كل مرة يأكلنا الشوق فيها للحديث معه، نفتح الجوال على تسجيلات سابقة، ونغرق جميعًا في بحرٍ من الدموع والدعاء بأن يأتينا خبر يقين حول مصيره".

تتقلب اليوم بدرية على نارين، ما بين أن تصدق أن زوجها وسندها قد استشهد وتنتظر جثمانه ليتم إكرامه بالدفن وبوداع يليق به، وبين نار تكذيب الخبر والانتظار على أمل أن يعود يومًا بجسده وروحه؛ فيواصل مشواره في تربية أبنائه. "كان عنده لكل واحد منهم حلم وأمل، وهم اليوم أحوج ما يكون لحضنه، بعد عام من حرب الإبادة" تختم وتبكي.