غزة.. صحافيات من دون "إنترنت"!
تاريخ النشر : 2024-10-07 12:16

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

** أُنجز هذا التقرير بدعمٍ من أريج

"لا إنترنت ولا لابتوب (جهاز الحاسوب المحمول)"، هكذا لخصت الصحافية "الناجية حتى هذه اللحظة" -كما تصف نفسها- دعاء فايز معاناتها، بعد أن خسرت عملها مراسلةً صحافية لعدة مواقع منذ بداية الحرب على غزة.

تروي دعاء معاناتها في الحصول على الإنترنت، بعدما قطع جيش الاحتلال الإسرائيلي خطوط الاتصالات منذ إعلانه الحرب على قطاع غزة، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023م، بالإضافة إلى فقدانها لـ "اللاب توب" الشخصي بسبب القصف.

كانت دعاء تعيش في مخيم جباليا، قبل النزوح مع عائلتها إلى المنطقة الوسطى؛ وهناك لم يكن لديها أيّ إمكانياتٍ للعمل؛ لأن عملها في التحرير يعتمد على الإنترنت، وانقطاعه سبّب لها معضلة كبيرة، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة بسبب الحصار والحرب. لا سيما وأنها مصدر الدخل الرئيس لعائلتها، بعدما فقد أشقاؤها مصادر رزقهم في شركات خاصة بمدينة غزة.

بالتزامن مع المعارك العسكرية في القطاع، تنهمك الصحافيات عادةً في العمل إلى جانب زملائهن الصحافيين على مدار الساعة؛ لنقل الأخبار وإنتاج التقارير السياسية والقصص الإنسانية. لكن في حرب غزة الأخيرة، توقف العمل، وباتت جملة "فش نت" الأشهر على لسان العاملين في مجال الصحافة والإعلام.

منذ بدء الحرب على غزة، قصف الجيش الإسرائيلي أعمدة الإنترنت وشركات الاتصالات، فعزل سكانها عن العالم، وبقيت أعداد قليلة من الصحافيين تبُث الأخبار عبر شرائح "السلكوم" الإسرائيلية، المتصلة بالإنترنت، أو عن طريق "الشرائح الإلكترونية" التي تسمح بالاتصال من دون الحاجة إلى استخدام شريحة اتصال (سيم) تقليدية.
وبحسب ميثاق حقوق الإنسان، يُحظر قطع الاتصال بين الناس، والإنترنت يدخل -بطبيعة الحال- ضمن أهم وسائل الاتصال، وأيّ مساس بهذا الحق يُعدّ انتهاكًا لحقوق الإنسان.

أصدر مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، قرارًا عام 2016م، يدين فيه التدابير الرامية إلى المنع المتعمد أو عرقلة نشر المعلومات والوصول إليها على شبكات الإنترنت.

وفي هذا الشأن، أصدر مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، قرارًا عام 2016م، يدين فيه التدابير الرامية إلى المنع المتعمد أو عرقلة نشر المعلومات والوصول إليها على شبكات الإنترنت.

كانت دعاء فايز تبذل جهدًا كبيرًا، من أجل القيام بعملها الصحفي؛ فكانت تخرج من بيتها وقت القصف إلى أقرب نقطة اتصال، وتشتري بطاقة "نت شارع" بشيكل، ثم تجلس على الرصيف تنتظر بريدًا إلكترونيًا، أو ترسل مادة صحفية، أو تستعد لإجراء مقابلة؛ ما كان يُعرّض حياتها للخطر بشكل مستمر.

تذكر دعاء أنها كانت -في بعض الأحيان- تُضطر إلى الصعود ليلًا أعلى سطح المنزل لالتقاط شبكة الإنترنت، لمواصلة عملها في تغطية أخبار الحرب؛ رغم المخاطر المترتبة على ذلك؛ فالطائرات الإسرائيلية لا تتوقف عن التحليق في سماء غزة.

قدم دعاء تعرقلت مرةً بحبل إحدى خيام الصحافيين المجاورة للمستشفى الكويتي بمدينة رفح. كانت تحاول آنذاك الخروج مسرعةً لالتقاط شبكة الإنترنت كي ترسل خبرًا عاجلًا؛ فتعرضت لإصابة قوية أعيتها لأيام.

قطع خطوط الاتصال والإنترنت أثرا في حياة دعاء الشخصية أيضًا، خاصة بعدما اضطر أشقاؤها إلى النزوح لمكانٍ آخر، فكانت تسمع أصوات القصف بالقرب منهم، لكنّها لا تستطيع التواصل معهم، ما زاد من القلق والضغط النفسي الواقع عليها.

أما عن أصعب المواقف التي مرت بها، فكان وفاة والدها في مدينة أريحا منتصف نيسان/إبريل 2024م؛ حيث اضطر إلى الذهاب لعمله رغم مرضه قبيل الحرب. لم تعلم دعاء ولا أسرتها بوفاته إلا وقت جنازته، بسبب انقطاع الاتصالات والإنترنت.

وذكرت أنه بسبب الحرب وقطع الاتصالات، لم يستطع طوال فترة وجوده في أريحا الاطمئنان عليهم، ولم تستطع العائلة التواصل معه. وبعد ساعات من وفاته، تمكن صديق والدها من الاتصال بهم لضعف شبكات الاتصال؛ وأخبرهم أن الأصدقاء سيقومون بتشييعه!

لم تنتهِ مأساة دعاء هنا، فبعد أن تعرضت المنطقة التي نزحت إليها لقصف عنيف؛ كادت أن تفقد حياتها تحت ردم البيت الذي تنزح فيه، لكن فرق الإنقاذ تمكنت من انتشالها مصابة من تحت الأنقاض.

متاح لدقيقتين!

"حصتي من الإنترنت أسبوعيًا كانت دقيقتين لا أكثر" هذا ما عاشته معدة التقرير شخصيًا، إذ كانت خلالهما ترسل رسالةً لعمها بكندا، تَطمئن من خلاله على أهلها في شمالي غزة، بسبب نزوحها إلى وسط القطاع.

تقول: "كنت أكتب له عبر الواتساب: "كيف الأهل، فيرد بخير". كان يعرف الأخبار عن طريق ابن خالي المقيم في فرنسا، حيث كان الأخير يتصل اتصالًا دوليًا بوالده، الذي يسكن بجانب عائلتي".

وتتابع: "يتعجب كثيرون حين يسمعون أن اتصالي بالإنترنت لم يكن سوى دقيقتين في الأسبوع. لكنّ الحرب علمتني الكثير، ليس فقط في إدارة الوقت، بل إدارة كل شؤون الحياة المُهدَّدة في كل لحظة".

خلال الدقيقتين، كانت مها تتحدّثُ عبر الواتساب فقط؛ لأنه التطبيق الوحيد الذي تصل من خلاله الرسائل بشكل أسرع، بخلاف الفيسبوك. "وبعد تحديث الرسائل وانقطاع الإنترنت، أقرأ ما وصَلني وأرد على بعضها، ويصل الرد حين أتصل بالإنترنت مرة أخرى" تزيد.

وتذكر في إحدى المرات، أنها كانت محظوظة حين قرر نازح معها -وهو صاحب هاتف أيفون، ويمتلك شريحة "إيسم إلكترونية"- منحها خمس دقائق، "علمت خلالها باستشهاد ابن عمتي عن طريق الفيسبوك". كانت تمضي أسابيع طويلة لا تعرف فيها شيئًا يجري حولها، لدرجة أنها تأهبت مرارًا لسماع أيّ خبر سيء عنهم.

أما عن عملي -تخبرنا- فقد "عانيتُ كثيرًا بسبب انقطاع الإنترنت والتيار الكهربائي أيضًا. كانت طريقتي في العمل محسوبة؛ أستغل الدقائق القليلة المتاح فيها إنترنت، فأبحث عن المعلومات المتعلقة بالموضوع المكلفة بكتابته، ثم أحفظ بعض المعلومات "من خلال النسخ واللصق"، وأرسلها عبر الواتساب لرقمي الشخصي. بعدها أكتب وأحرر التقرير على ورقة، ثم أشحن جهاز اللابتوب على الطاقة الشمسية، وأكتب المادة ثم أنقلها -عبر وصلة- إلى جهاز الموبايل، وأشبك الإنترنت لأقل من دقيقة وأرسل المادة بشكلها النهائي".

الشمال أيضًا..

في شمالي قطاع غزة، تعيش الصحافية لميس الهمص برفقة عائلتها –زوجها وأولادها الأربعة- بعد أن رفضوا النزوح إلى الجنوب؛ فبقيت محاصرة كحال غالبية سكان المناطق الشمالية، ومنقطعة عن العالم الخارجي لأسابيع طويلة؛ لانقطاع شبكات الإتصال والإنترنت.

تعمل الهمص في المجال الصحافي منذ 16 عامًا، وتقول: "إن انقطاع الإنترنت "شلّ حياتنا"؛ فهو أساس الحياة للتواصل ومعرفة الأخبار والاطمئنان على الأسرة في أي مجتمع، لكن في الحرب لم أستطع التواصل مع عائلتي التي نزحت إلى المنطقة الوسطى، أو حتى معرفة مكان القصف القريب منا".

وتضيف: "في بداية الحرب كان الإنترنت مفصولًا عن مناطق معينة، وموجودًا في أماكن أخرى. كنا نضطر إلى المشي مسافات طويلة للاتصال بالإنترنت وإرسال المواد الصحافية".

وتشير لميس إلى العزلة التامة التي عاناها سكان شمالي القطاع، بعد أسابيع قليلة من الحرب؛ بسبب الانقطاع الكامل في خطوط الاتصالات والإنترنت، "حتى إن معرفة الأخبار في المحيط القريب باتت مستحيلة".

وتذكر أنها وزوجها الصحفي محمد أبو قمر، بقيا لمدة شهر كامل من دون إنترنت أو اتصالات، ملفتةً إلى أن وسيلة الأخبار الوحيدة كانت حين يغامر زوجها ويخرج من البيت، ويلتقي النازحين ويسألهم: "من وين جايين، وإيش صار معكم؟"، حتى يعرفوا أين وصلت الدبابات الإسرائيلية.

وتأكيدًا على ما ذكرته الهمص، ذكر المرصد "الأورومتوسطي" أن الاستهداف الإسرائيلي المتكرر للمدنيين، خلال محاولتهم التقاط إشارة الاتصالات والإنترنت، يتركز على المناطق المحاصرة، التي يرتكب فيها الجيش الإسرائيلي شتى الجرائم المخالفة للقانون الدولي، الأمر الذي يعرقل التغطية الصحافية لهذه الجرائم، وينقلها إلى العالم.
مضيفًا: "هذا الاستهداف يتمّ في وقتٍ يعاني فيه سكان قطاع غزة انقطاعًا مستمرًا وشبه كامل للاتصالات؛ ما يؤدي إلى تفاقم معاناتهم، بالتزامن مع تعرّضهم للقصف الجوي والمدفعي الكثيف على مدار الساعة، وحتى تاريخ نشر هذا التقرير.