غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
منذ كانت طفلة، حلمت "سارة فرحات" (٢١ عامًا) بأن تصبح معلمة تزرع الأمل في قلوب الأطفال، وتمسك بأيديهم نحو بناء مستقبلهم، لكن حياتها تغيّرت بشكلٍ جذريٍ منذ تم تشخيصها بسرطان الثدي قبل عامين.
كانت سارة تعيش في منزلٍ صغيرٍ مع عائلتها في شمالي قطاع غزة، قبل أن تدفعها الحرب الدموية التي اندلعت في السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023م إلى النزوح جنوبًا، لتبدأ منذ ذلك الحين رحلةً أخرى من الألم والمعاناة.

وبينما يحتفل العالم بشهر التوعية بسرطان الثدي في أكتوبر من كل عام، تجد سارة نفسها في مواجهةٍ ليس فقط مع المرض، بل أيضًا مع مرارة اللجوء وظروف الحياة الصعبة، وتحاول جاهدة للتكيف مع النزوح، التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.
يقول والدها محمد فرحات لموقع "نوى": "كان علينا أن نترك كل شيء خلفنا لنبحث عن الأمان، لكننا وجدنا أنفسنا أمام معاناة جديدة، حيث أصبحت ابنتي تكافح السرطان في بيئة لا تتوفر فيها حتى المياه النظيفة".
كان من المفترض أن تسافر سارة خارج غزة لتلقي العلاج الكيميائي، لكن إغلاق معبر رفح وتدميره جعل هذا الأمل يتلاشى مع مرور الأيام.
"أحلم كل يوم بأن أعود لحياتي الطبيعية، لكن إغلاق المعابر يحكم عليّ بالموت البطيء".
"أحلم كل يوم بأن أعود لحياتي الطبيعية، لكن إغلاق المعابر يحكم عليّ بالموت البطيء"، تقول سارة، وعيناها تفيض بالدموع.
تعاني الفتاة من آلام مستمرة وتدهور في حالتها الصحية، لكنها تصر على مقاومة اليأس، وتتشبث بأمل السفر إلى الخارج، حيث يمكن أن تجد علاجًا ينقذ حياتها.
تضيف سارة: "كنت أظن أنني سأحارب مرض السرطان فقط، لكنني اليوم أواجه حروبًا أخرى، حرب النزوح، وحرب الانتظار، وحرب الحصار".
تشعر الفتاة بأن جسدها ينهار يومًا بعد يوم، لكنها لا تفقد الأمل، حتى وهي تستمع إلى قصص النساء اللاتي فقدن حياتهن بسبب إغلاق المعابر وغياب العلاج.
"أطفالي أولويتي"
في مخيم إيواء شرق مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تجلس السيدة "أم توفيق" (٣٦ عاما) على طرف فراشها في خيمة النزوح في جنوب قطاع غزة، تراقب أطفالها الثلاثة وهم يلعبون على التراب.
بين ضحكاتهم وضجيجهم، تُخفي عيونها حزناً عميقاً، وداخلياً تُصارع شبحاً يأبى أن يغادر جسدها. منذ ثلاثة أشهر، شُخّصت بالمرحلة الثانية من سرطان الثدي، ولكن معاناة أم توفيق ليست حديثة العهد؛ فهي تمتد منذ اندلاع الحرب في أكتوبر الماضي، إذ أجبرت أسرتها على ترك منزلها في شمال القطاع واللجوء إلى مكان أكثر أمانًا جنوبا.

وسط دوي الانفجارات وخوف الأطفال، بدأ السرطان في جسدها ينمو، وكأن الحرب لم تكتفِ بتدمير بيتها بل أصرت على مهاجمة حياتها من الداخل.
وقالت أم توفيق لـ"نوى": "عندما كنا متنقل من نزوح إلى آخر، أحسست بألم في صدري، لكن لم أعره اهتمامًا، فقد كان أمان أطفالي أولويتي".
وأضافت: "كنت أخشى أن أضعف أمامهم، لم أكن أريد أن أبدو ضعيفة في عيونهم، كنت أتمنى فقط أن تنتهي الحرب حتى نعود لبيتنا وأبدأ رحلة العلاج".
كانت المفاجأة الأكبر حين علمت أن العلاج غير متوفر بشكل كامل في غزة، وأنها بحاجة إلى السفر للعلاج في الخارج. "أشعر بالعجز وأنا أشاهدها تتألم"، يقول زوجها وهو يكافح دموعه، "أتمنى لو أستطيع حمل الألم عنها، أو حتى أخذها إلى الخارج للعلاج، لكن إغلاق المعابر يقف كحائط بيننا وبين الأمل".
أطفالها، الذين لم يدركوا بعد معنى كلمة "سرطان"، يشعرون فقط بأن أمهم لم تعد كما كانت. باتت أقل قدرة على اللعب معهم، وصارت تغيب لساعات طويلة في المستشفى.
"أريد أن تعود أمي كما كانت، أريدها أن تحملني وتُخبرني قصصاً قبل النوم".
تقول ليلى، ابنتها ذات السبعة أعوام: "أريد أن تعود أمي كما كانت، أريدها أن تحملني وتُخبرني قصصاً قبل النوم". هذه الكلمات تزيد من وجع أم توفيق، التي تُدرك أن معركتها ليست فقط مع المرض، بل أيضًا مع الوقت، ومع إغلاق المعابر، ومع حياة النزوح التي تُرهق روحها وجسدها.
تحاول أم توفيق أن تبقى قوية من أجل أطفالها، تحضنهم بحب في كل ليلة وتخبرهم أن الأمور ستتحسن، رغم أنها في داخلها تشعر بالخوف من المجهول. "أخشى أن يفقدوا أمهم وهم في هذا السن الصغير"، تقول بصوت مخنوق، "أخاف ألا أتمكن من رؤيتهم يكبرون أمام عيني".
ضغوط نفسية واجتماعية
تعد معاناة مريضات سرطان الثدي خلال الحرب والنزوح، تجربة مؤلمة تتداخل فيها جوانب صحية ونفسية واجتماعية متعددة، إذ تتعرض هؤلاء النساء لتحديات إضافية تفوق معاناتهن من المرض ذاته.
ويقول أستاذ علم النفس الاجتماعي د.درداح الشاعر لـ"نوى": "إن مريضات سرطان الثدي يعانين من انعدام الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، حيث يتعذر عليهن الحصول على العلاج الكيميائي أو الإشعاعي في ظل الظروف الصعبة، وخاصة مع إغلاق المعابر وصعوبة السفر إلى الخارج".
"العلاج المبكر والمناسب أمر حيوي في تحسين فرص الشفاء، لكن مع إغلاق المعابر، يُحكم على العديد من المريضات بالموت البطيء".
وشدد الشاعر على أن العلاج المبكر والمناسب "أمر حيوي في تحسين فرص الشفاء"، مستدركًا بالقول: "لكن مع إغلاق المعابر، يُحكم على العديد من المريضات بالموت البطيء بسبب نقص العلاج".
وأشار إلى أن ظروف النزوح تؤثر بشكل كبير على الحالة النفسية والاجتماعية لهؤلاء النساء، مثل الانتقال إلى أماكن جديدة، مثل المخيمات أو الخيام، الأمر الذي يضيف عبئًا نفسيًا آخر حيث تعيش مريضات السرطان في ظروف قاسية تفتقر إلى الخصوصية والأمان، والشعور بالقلق المستمر حيال عدم توفر العلاج والرعاية، مما يزيد من شعورهن بالعزلة والضعف.
ويرى الشاعر أن مريضات سرطان الثدي يتعرضن لضغوط إضافية تتعلق بالعائلة والمجتمع، "فهن في كثير من الأحيان يتحملن مسؤوليات عائلية كبيرة، بينما يعانين من المرض، ويتطلب ذلك منهن جهدًا إضافيًا، مما يزيد من الضغط النفسي".
ويتابع: "أحيانًا، تتجاهل العائلات احتياجاتهن بسبب الضغوط الاقتصادية والظروف القاسية، مما يؤدي إلى تفاقم مشاعر القلق والاكتئاب".
في الوقت ذاته، يحتاج المجتمع إلى توفير الدعم النفسي والاجتماعي لمرضى السرطان عمومًا، من خلال إنشاء برامج توعية ودعم نفسي لمساعدتهم في التعامل مع مرضهم ومع ضغوط الحياة اليومية- بحسب أستاذ علم النفس الاجتماعي، الذي شدد على ضرورة العمل على تيسير عملية الحصول على العلاج المناسب، سواء داخل غزة أو خارجها، من خلال منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية.
