عزفٌ على الكمان.. مساحةٌ للفرح في أرض النزوح
تاريخ النشر : 2024-09-18 13:36

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

 لم يكن منطقيًا بالنسبة لهاوية العزف على آلة الكمان، سما نجم، أن يمتزج صوت الموسيقى بأصوات القذائف والصواريخ المنهمرة فوق رؤوس الأبرياء داخل قطاع غزة.

"كيف أمارس هذا الشغف، ولا الوقت، ولا المكان، ولا الظروف، ولا البيئة المحيطة، يمكن أن تترك لي متسعًا من أجل ذلك؟".

طوال عشرة أشهر من حرب الإبادة، و"الكمنجة" مركونة في إحدى زوايا الخيمة. بمجرد أن يستقر الحال بأهلها بعد رحلة نزوحٍ جديدة، تضعها وتجلس لساعاتٍ تنظر ناحيتها ولا تقترب. "كيف أمارس هذا الشغف، ولا الوقت، ولا المكان، ولا الظروف، ولا البيئة المحيطة، يمكن أن تترك لي متسعًا من أجل ذلك؟" تتساءل بحرقة.

وتقول: "كنت أشعر بالغصة كلما نظرت إلى آلة الكمان، فأجدني حتى غير قادرة على احتضانها أو العزف على أوتارها".

تعلمت سما العزف في معهد "إدوارد سعيد" الموسيقي الشهير بغزة، وعلى مدار سنوات بدأت تتقن العزف، وتطور ذاتها عبر البحث عن تقنيات جديدة، ومعزوفات عالمية، أثرت به حبها لهذا الفن الراقي. ولما طال أمد الحرب، عذّبها البعد، فإذا بها تمسك الآلة، وتقرر أن تجعلها "علاجًا" لأرواح المستنزفين تحت النار وظروف النزوح المرة.

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي قبل فترة وجيزة صورة لـ سما (18 عامًا)، أثناء محاولتها تدريب طفل مبتور اليد على العزف. تعلق سما بقولها: "مع استمرار موجة النزوح وحرب الإبادة، وجدت نفسي تميل لأن أقوم بدورٍ ما. أن أساعد الأطفال الذين أشاهدهم كل يوم في المخيم وقد أثقلتهم الهموم. حرفيًا هرم أطفالنا قبل الأوان بحثًا عن الماء والحطب، وهذا جعلني أشعر بالمسؤولية تجاههم. أن أكون سببًا في ابتسامةٍ ترتسم على وجوههم".

"مع استمرار موجة النزوح وحرب الإبادة، وجدت نفسي تميل لأن أقوم بدورٍ ما. أن أساعد الأطفال الذين أشاهدهم كل يوم في المخيم وقد أثقلتهم الهموم".

بدأت سما بتنظيم أمسيات فنية، تعزف من خلالها وتغني للأطفال في محاولةٍ للترفيه عنهم، في ساعة المخيم المكتظ بالشوادر الملونة. لاحقاً تطور الأمر لمحاولة إجراء تفريغ نفسي لهم، عبر تعليمهم فن العزف على الكمان، وذلك بدعم لوجستي من معهد "إدوارد سعيد".

يجتمع الأطفال ثلاثة أيام أسبوعيًا في غرفةٍ صغيرة، وتبدأ سما بتعليمهم أبجديات العزف على الكمان ومشاركتهم العزف والغناء، لتصدح أصواتهم معها بأغنيات الوطن، وهو ما تعدّه الفتاة علاجًا سحريًا لأطفال جمعتهم مراكز الإيواء، وعشرات القصص المؤلمة على مدار عامٍ تقريبًا من الحرب الطاحنة.

أحد هؤلاء الأطفال هو محمد أبو عيدة، الذي فقد إحدى ذراعيه جراء إصابته في قصفٍ إسرائيلي، لكنه يحاول أن يهرب من كل آلامه عبر العزف على آلة الكمان التي تذهب به بعيدًا نحو أحلامه التي وأدها الاحتلال.

ورغم الألم الذي يتركه العزف في الجزء الباقي من ذراع محمد المبتورة حديثًا، إلا أنه يخرج من الحلقة حاملًا في قلبه فرحة لا تتسع لها الدنيا، وابتسامةً تُفرح قلب أمه.

لا تصنف سما نفسها بأنها مدربة محترفة، لكنها تكتفي بالقول: "أنا قادرة على نقل خبرتي في العزف على آلة الكمان لأطفال المخيمات ومراكز الإيواء كأحد أشكال الدعم النفسي، لعله يخرجهم من دوامة الخوف والتوتر التي يعيشونها منذ أول أيام الحرب".

ما يحزن سما أن وترًا من أوتار آلتها مقطوع، وهو ما يجعل عزفها أقل جودة، لكن الأطفال يرون في هذه الآلة الغريبة التي ربما لم يرها أغلبهم من قبل ملاذًا للفرح في قلوبهم المتعبة. "بل أصبح لدى بعضهم شغفًا لتعلم العزف وأبجدياته" تعقب.

بآلة كمان واحدة، وبوتر مقطوع، وإمكانيات بسيطة، تمكنت سما الشغوفة بالعزف والغناء، من خلق بيئة حالمة لأطفال طحنت الحرب قلوبهم الغضة.

بآلة كمان واحدة، وبوتر مقطوع، وإمكانيات بسيطة، تمكنت سما الشغوفة بالعزف والغناء، من خلق بيئة حالمة لأطفال طحنت الحرب قلوبهم الغضة، وتركت جراحًا غائرة في دواخلهم عنوانها الفقد.. لمنزلٍ أو أبٍ أو أمٍ أو صديق أو حتى حلم صغير كانوا ينتظرون يومًا أن يتحقق.