غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تنظر وسام مطر لكومة القمامة أمامها وهي تقضم شفتيها وتتمتم: "والله هالحرب أدّبتنا (هذّبتنا)".
تبدأ السيدة الأربعينية بفرز محتويات القمامة كل فئةٍ على حدة. الحديد في زاوية، والخشب في أخرى، والبلاستيك في ثالثة، والزجاج كذلك، مستخلصةً أربعة أكياسٍ من كومةٍ واحدة، كانت كلها قبل بدء الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين أول الماضي تتخلص منها دفعةً واحدة.
تقول لـ"نوى": "منذ بدء العدوان على غزة تعطل عمل البلديات، وأصبح مكان أكوام القمامة الشارع، إي بين بيوتنا، وهذا يعني انتشار الأمراض، واتساع بؤر التلوث، وهجوم الكلاب الضالة".
وتتابع: "انتظرنا كثيرًا، وفقدنا الأمل بإيجاد حل، فقررتُ وجاراتي تجميع القمامة على مدار أسبوع، ثم تقسيمها وفقًا لمقالٍ كنتُ قرأته قبل الحرب عبر مواقع التواصل الاجتماعي".
وفق وسام، تطبق الدولة الأجنبية هذا النظام في فرز النفايات، لتستفيد منها عبر عمليات إعادة التدوير، فباتت السيدة تستخدم علب الحديد الكبيرة لصنع مواقد النار، ويساعدها الخشب والورق في الإشعال، بينما تنظف علب البلاستيك لاستخدامها في نقل الماء أو حفظ الطعام.
أسيل الشوا أيضًا، لمعت في بالها الفكرة عندما رأت علب الفول والحمص الفارغة مكدّسة ويلعب بها أطفال الحي، فقررت أنها ستكون إصّيصًا لشتلة جديدة، تنبت فتعيد للحياة اللون الأخضر الذي أحرقته الحرب.
تقول: "ملأت نافذة غرفتي بها، وفي كل يومٍ أرى فيها الشتلات تنمو، أشعر بأنني صنعتُ لنفسي روحًا جديدة. على الأقل أبتسم أمام كل هذا العذاب".
نعناع، وريحان، وبندورة، وجرجير، كلها تتمايل مع نسمات الهواء عصرًا، وما شجع الفتاة على المضي قدمًا في هذه الخطوة، عدم توفر الخضار في الشمال. تضيف: "نفسي أشرب شاي بالنعناع. نفسي في سلطة بندورة وريحان".
تعد أسيل اليوم تلو الآخر كي تكبر تلك الشتلات، فتنقلها لأحواضٍ أكبر، وأكثر من يقلقها أن يباغت العائلة نزوحٌ مفاجئ يستمر لعدة أيام، فيموت الزرع، وتخسر كل أحلامها.
أما عن السماد تبتسم الشوا وتقول: "لا تقلقلي كل اشي موجود. تفل الشاي والقهوة التي نشربها، نضعها على التربة بدلًا من سلة المهملات، وتلك الطريقة أثبتت فعاليتها مع الالتزام بساعات محددة لري الشتلات، بكمية مياه مناسبة".
ولم تتوقع سارة شلح، أن يكون نهاية خزانتها المكتظة بالملابس الزاهية الملونة، الاحتراق بنيران جنود الاحتلال الذين سكنوا بيتها لعدة أيام، بعد تمزيق كل ما فيها.
تقول: "رفضتُ رمي الملابس الممزقة في القمامة، وبقيت أيامًا أفكر: ماذا يمكن أن أصنع منها؟ حتى خطرت في بالي فكرة صنع دميةٍ للأطفال، فنسلتُ الصوف للحشو، ووضعت الأزرار كعيون، والقماش كغلاف خارجي".
تضيف شلح والدموع في عينيها: "الأمر لم يقتصر على الملابس بل الأثاث الذي تم تكسيره، خاصة زجاج المطبخ، فلم يتبقَّ صحن ٌأو كوبٌ إلا وأتلفه الجنود"، ونظرًا لضيق الحال لم تشترِ كافة المستلزمات، بل فكرت بإعادة تدوير ما يتاح ضمن الطرود الغذائية، مُنظِّفةً تلك العلب جيدًا لإعادة استخدامها، خاصة الزجاجية، التي استفادت منها لحفظ الشاي والسكر والقهوة.

وتعلق المختصة في المجال البيئي إسراء شبلاق، بالقول: "إن حرق النفايات وإشعال النيران بالبلاستيك أو القماش وخلافه يعدُّ كارثيًا بخصوص البيئة، لكنها الطريقة الوحيدة المتاحة لسكان المدينة المحاصرة للتخلص من أكوام النفايات المختلفة".
وأضافت: "حرق النفايات يتسبب بإطلاق كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يتأكسد مع هيموجلوبين الدم في جسم الإنسان، مما يسبب الاختناق، والعديد من الأمراض القلبية والتنفسية، وقد يؤدي إلى تسمم الحوامل والمرضعات".
ولفتت شبلاق إلى أن زيادة عمليات الحرق تؤدي إلى زيادة البصمة الكربونية العالمية، ومعدلات الغازات الدفيئة، والاحتباس الحراري وتغيرات المناخ التي سيعاني منها العالم أجمع فيما بعد.
لذلك، ترى شبلاق أن إعادة التدوير هي الطريقة الأنسب للتخلص من النفايات الصلبة، ملفتةً إلى أن النفايات العضوية الناتجة عن المطبخ، يمكن تحويلها لسماد عضوي واستخدامها بالزراعة خلال الوقت الحالي.
"تعزيز الوعي البيئي لأفراد المجتمع هو الحل الأمثل، مع التركيز على فكرة فصل النفايات، خاصة النفايات الطبية التي تخلط مع المنزلية اليوم "وهو أمر في غاية الخطورة".
وتشدد شبلاق على أن فترة التعافي من المشاكل البيئية التي خلّفتها الحرب لن تكون بسيطة، خاصة في ظل تعطيل عمل البلديات، بعد أن قصفت "إسرائيل" ودمرت العديد من الشاحنات، ومنعت إدخال الوقود والمعدات المطلوبة، مشيرة إلى أن تعزيز الوعي البيئي لأفراد المجتمع هو الحل الأمثل، مع التركيز على فكرة فصل النفايات من قبل الأفراد، خاصة النفايات الطبية التي تخلط مع المنزلية اليوم، "وهو أمر في غاية الخطورة" تعقب.
وعن دور السيدات نوهت شبلاق، أن لهن دور فعال في عملية الحفاظ على البيئة من خلال التفكير بطرق مختلفة لاستخدام المواد المستهلكة، مشددة على أهمية وجود مبادرات مدعومة من مؤسسات دولية؛ لتعميم أفكار سليمة وصديقة للبيئة ولصحة الإنسان، "كون بعض طرق التدوير الواردة لا يجوز التعامل بها خاصة تلك المتعلقة بحفظ الطعام في العلب البلاستيكية" تختم.
