غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تنظر سجى عطالله إلى الساعة في هاتفها المحمول وتبتسم. إنها التاسعة صباحًا، "في مثل هذا الوقت، كان يجب أن أكون في مدرستي أحضر حصة لغة عربية أو فيزياء أو رياضيات" تقول بقهر.
وتتابع: "العام الدراسي بدأ في فلسطين، بينما نحن في قطاع غزة لا نعرف حتى اللحظة، هل سيضيع علينا العام هذا أيضًا؟ أو لو كانت هناك خطة لدمج العام الماضي مع الجديد؟ أم أننا سنعيد العام الماضي. نحن حرفيًا لا نعرف أي شيء حتى الآن".
"هذا عام مفصلي في حياتي. أشعر أن أحلامي تتسرب من بين يدَي، مع الهلامية المفرطة، وعدم التخطيط الواضح لآلية التدريس حتى الآن".
تصف سجى الطالبة التي من المفترض أن تكون هذا العام في الثانوية العامة، واقع الحال بـ"المزري" بالنسبة لطلبة القطاع، "فكل الظروف ضدنا. القصف والنزوح وحياة الخيام، ومتطلبات الحياة صعبة المنال من مياه وكهرباء وإنترنت وغذاء حتى، كلها لا تساعد على الالتحاق بالتعليم ولو كان إلكترونيًا" تضيف.
وكانت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، أعلنت انطلاق التعليم الإلكتروني لطلبة قطاع غزة بدءًا من الخميس الماضي، عبر روابط لحصص إلكترونية، عن المواد كافة، يلتحق بها الطلبة من داخل القطاع، للبدء بالمنهاج تزامنًا مع طلبة الضفة الغربية.
تعلق سجى: "هذا عام مفصلي في حياتي. أشعر أن أحلامي تتسرب من بين يدَي، مع الهلامية المفرطة، وعدم التخطيط الواضح لآلية التدريس حتى الآن".
سجى طالبة متفوقة، وكانت تحلم بالانتقال لهذه المرحلة طوال حياتها، ليكون اسمها ضمن أسماء الأوائل على قطاع غزة، "لكن الحرب حولت هذا الحلم الجميل إلى كابوسٍ أتمنى لو أصحو منه" تستدرك.
شهر واحد درسته سجى العام الماضي (وكانت في الصف الثاني الثانوي) قبل أن تشن "إسرائيل" حربها على قطاع غزة، "وبعدها انقطعت علاقتي بالتعليم تمامًا أسوةً بباقي طلبة القطاع، وأصبح شغلي الشاغل كيف يمكننا النجاة بأنفسنا؟ ونحن نهرب نزوحًا من مكان إلى آخر".
تنساب دموع سجى بينما تقتلها الغصة، فتزيد: "في أول نزوح لنا بعد أيام من الحرب حرصت على جلب حقيبتي المدرسية وكتبي، ولكن بعد خمسة أشهر من النزوح في خيمة، أيقنت أن العام الدراسي قد ولّى، وأن لا أمل يلوح في الأفق بأن تتوقف الحرب ونعود لمقاعد الدراسة"، مردفةً: "ها هو العام الدراسي الثاني يسير ونحن طلبة غزة نعيش في متاهة، ولا نعرف حتى كيف يمكننا أن نكمل مسيرتنا التعليمية، ولا ما هو السبيل لذلك".
بعد عدة محاولات فاشلة تمكنت سجى من التسجيل في الرابط الذي نشرته الوزارة لطلبة غزة، وحملت التطبيق الخاص بالتعليم الإلكتروني، "ولكنني لم أجد أي منهاج أو خطة تعليمية، ولا أعرف حتى ما لو كنت قادرة على متابعتها في ظل انعدام توفر الكهرباء والإنترنت في منطقتنا".
حال سجى هو حال صديقتها ماريا الفرا، التي تعيش حالة من الحيرة فيما يمكن أن ينتهي إليه الحال. "فكيف نصبح في الثانوية العامة ونحن لم ندرس العام الماضي كله؟" تتساءل بحرقة.
"لا أعرف إن كان بإمكاني بالفعل العودة من جديد لاستكمال مشوار التعليم بعد عام في حرب طاحنة أفقدتني عددًا من أفراد عائلتي".
وتقول لــ"نوى": "لا أعرف إن كان بإمكاني بالفعل العودة من جديد لاستكمال مشوار التعليم بعد عام في حرب طاحنة أفقدتني عددًا من أفراد عائلتي، كما أن شبكة الإنترنت بالكاد يمكنها أن توصل رسائل الواتساب، فكيف يمكن أن تكون صالحة لحضور دروس فيديو أو تحميلها؟".
بينما تضرب أم سليمان المشوخي، التي نزحت في أواخر مايو/أيار من مدينة رفح نحو خانيونس كفًا بكف، بعد سماعها نبأ العودة للدراسة، وهي التي لا تعرف كيف ستتمكن من توفير الكهرباء والإنترنت وحتى الهواتف الذكية التي يمكن لأطفالها أن يتابعوا دروسهم من خلالها، بعد عامٍ من الانقطاع المصحوب بالخوف والقلق ناهيكم عن النزوح".
لأم سليمان خمسة أطفال أكبرهم في الصف التاسع وأصغرهم لم يدرس سوى شهرًا واحدًا في الصف الأول، بينما هي لا تملك إلا هاتفًا ذكيًا واحدًا، بعد تعطل هواتف ابنيها الكبيرين.
تقول: "لا أعرف كيف سينضم كل أطفالي للدروس الافتراضية بهاتف واحد، فالروابط المنشورة كلها في نفس التوقيت لكافة المستويات التعليمية، ناهيكم عن شبكة الإنترنت المتقطعة الضعيفة".
ورغم حرصها على عدم ضياع العام الدراسي الثاني على أطفالها، إلا أنها في حيرةٍ من أمرها حول "كيف ستسير الأمور في ظل هذه الأجواء المشحونة باستمرار، لا سيما أن جُل وقت أطفالها يضيع وهم يسعون بحثًا عن الحطب، وتعبئة الماء".
وترى أم سليمان أن العودة للدراسة في ظل هذه الظروف العصيبة يستدعي تدخلات مسؤولة لتوفير الإنترنت الذي يمكّن الطلبة من الانضمام للصفوف الإفتراضية.
حالةٌ من التخبّط والخوف من المجهول يعيشها ما يزيد على 600 ألف طالب وطالبة، حُرِموا من الالتحاق بمقاعد الدراسة للعام الثاني على التوالي، وفق تصريحات إسماعيل الثوابتة مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، الذي أوضح أن الاحتلال تعمّد خلال حربه القضاء على المنظومة التعليمية في القطاع، من خلال قصف واستهداف أكثر من 80% من المدارس.
وأشار إلى أن أكثر من 9 آلاف طالب وطالبة من كافة المراحل الدراسية استشهدوا خلال الحرب الجارية، إضافة لاستشهاد أكثر من 500 مدرس من هيئة التدريس، وما يزيد على 110 من العلماء وأساتذة الجامعات، ملفتًا إلى أن الاحتلال حرم 40 ألف طالب من التقدم لاختبارات الثانوية العامة العام الماضي.
