"يكفيني أن أضع رأسي على الوسادة وأنا مرتاح البال" قالها عمر القايض وهو يضحك، ثم أكمل بعد أن وضع كفّه على صدره: "حتى لو كانت هذه ليلتي الأخيرة، سأموت وأنا راضٍ عن نفسي. أنا عمار الذي ليس في رصيده بهذه الحياة سوى عمله".
لا يشبه يوم عمّار أيام النازحين العادية، في طوابير الماء والطعام وانتظار الخبز وصناديق المساعدات "التي لا تطعم ولا تغني من جوعٍ" حسبما يصف. يبدأ مع أذان الفجر طريقًا بات يعرفه جيدًا، على عربته التي يجرها الحمار، وينطلق إلى حيث حدث قصف، ولم يتمكن رجال الدفاع المدني وطواقم الإسعاف من الوصول إليه. "أبحث هناك عن جثامين الشهداء، وأنتشل ما أستطيع منها. أضعها على عربتي وأغادر لدفنها" يقول.
عمّار، الذي يبلغ من العمر (52 عامًا)، هو أبٌ لخمسة أولاد وثلاث بنات، كان يسكن شرقي حي الشجاعية حتى دمر الاحتلال منزله، فنزح إلى منزل أقاربه في حي الصبرة بمدينة غزة منذ أشهر، لكنه يرفض النزوح مجددًا رغم أن المنطقة باتت تصنّف بالخطيرة جراء الاستهداف الإسرائيلي المستمر لها.
يقول: "يأتيني الناس وقد أصابهم الهلع. يقولون الحقنا يا عمّار. استهدف الاحتلال أبناءنا بينما راحوا يتفقدون منازلنا، نزفوا لساعات ولم تستطع طواقم الإسعاف الوصول إليهم بسبب القصف العنيف وملاحقة المُسيّرات لهم".
"أولادي وزوجتي رفاقي في المهمة أصلًا. يذهبون معي، ويقولون لي: لو كتب لنا الموت سنموت معًا".
دون تردد -يضيف عمار ويكمل- "أذهب لانتشال الشهداء، حتى لو كان الأمر في غاية الخطورة. أنا على قناعة بأن الله لو كتب لي الموت فسوف أموت، فلا مكان آمن في غزة، وما أفعله هدفه البحث عن الرضا! وأنا إنسان راض وفخور بنفسي".
ألا تخاف عليك عائلتك؟ يجيب الرجل: "أولادي وزوجتي رفاقي في المهمة أصلًا. يذهبون معي، ويقولون لي: لو كتب لنا الموت سنموت معًا"، متابعًا بينما الابتسامة لا تفارق وجهه: "أصلًا هذه باتت أمنية لدى الفلسطينيين تحت هذه الحرب، ألا يأتي الموت لهم فرادى".

عن أكثر ما يحزنه، يخبرنا: "أشعر بانهزام قلبي الذي أظنه قويًا ويتحمل الألم عندما أرى الكلاب تنهش الجثامين في الشوارع. يقف عقلي، بل يغلق إغلاقًا تامًا، لا أقوى على الكلام بعد المشهد، حتى أنني أشعر بثقل خطواتي، وارتجاف يدي، لكنني أحاول التغاضي عن كل تلك المشاعر بمساعدة زوجتي التي تساعدني في حمل تلك الجثث، قبل الذهاب بها إلى مستشفى المعمداني لعرضها على الأطباء قبل دفنها".
يطلب مني الناس الرجوع وعدم المغامرة. أدعو الله أن يقف معي وأنطلق. أتم مهمتي على أكمل وجه، وأعود لأمارس حزني وقهري وحدي!".
وعن عدد مرات الاستهداف المباشرة، يتحدث بأنه تعرض للكثير من المواقف. أحدها عندما لاحقت العائلة طائرة "كواد كابتر" إسرائيلية، أطلقت النار عليهم لكنهم تفرّقوا وانبطحوا كل واحد في مكان مختلف بجوار الركام لمدةٍ زادت على ساعة، حتى ابتعدت الطائرة، فأتموا مهمتهم بانتشال جثمانَي شهيدين كانا في المنطقة منذ وقت طويل.
حتى النبش بين الركام قصة ليست سهلة بالتأكيد، جرحت يداه مرارًا وهو يحاول، ويكمل: "لا يهمني.. أشعر بالإنجاز حين أخرج بهم. أعود إلى منزلي وجسدي غارق بالدماء، وأحيانًا يطلب مني الناس الرجوع وعدم المغامرة. أدعو الله أن يقف معي وأنطلق. أتم مهمتي على أكمل وجه، وأعود لأمارس حزني وقهري وحدي!".. هذا عمار، ابن غزة، وهذه قصته.
