يدٌ رحيمة تضمد جراح "الحيوانات".. شمال غزة
تاريخ النشر : 2024-09-12 16:06

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تجلس نور عفانة طالبة الطب البيطري، مكتوفة اليدين أمام الوضع الكارثي الذي تعيشه الحيوانات الأليفة شمالي قطاع غزة، منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي.

نور، التي كانت تعمل في ملجأ لجمعية "سلالة" المسؤولة عن حماية الحيوانات الأليفة والمريضة والضالة، قبل أن تبدأ الحرب، وقبل أن يتم تدميره بالكامل، لاحظت نفوق المئات من القطط والكلاب في الشوارع وبين ركام البيوت، فبدأت بجمع ما تجده منها بحاجة للطعام أو العلاج، في شقةٍ سكنية، حوّلتها إلى ملجأ مؤقت، "قبل أن يحدث اجتياحٌ مفاجئ للمنطقة شمالي مدينة غزة، في يوليو/ تموز الماضي" تقول.

وتحكي بمرارةٍ لـ"نوى": "لا أستطيع حبس تلك الأرواح في مكان غير أمن، لقد أفسَدت كثرة العمليات البرية في مناطق الشمال فكرة الملجأ، وبالكاد تمكنت وأنا أهرب برفقة عائلتي من باب الشقة، من تسريح الحيوانات الموجودة فيها وسط زخات الرصاص والقذائف".

تكمن المشكلة -وفق نور- في طفرة امتلاك العائلات في قطاع غزة قبيل الحرب للحيوانات الأليفة، "لكن مع اشتداد وطأة الموت، والاضطرار للنزوح، ترك الناس حيواناتهم الأليفة تحت قصف الأحزمة النارية، ونجوا بأنفسهم وبعائلاتهم" تستدرك.

هنا أصبحت المئات من الحيوانات الأليفة دون معيل أو حماية، واقتنعت نور بأن فكرة الملجأ تحتاج لدعمٍ مؤسساتي دولي، يؤمن الحماية والطعام والشراب لكل هذه الأعداد، وليس لمجهود فردي، وهذا ما حدا بها لتتجه إلى الأحياء بشكل منتظم، وتقدم خدماتها للحيوانات هناك بشكلٍ مجاني.

تقول: "أقدم العلاج، والتطعيمات المناسبة الخاصة بالحشرات والديدان، ذلك بعد تحديد عُمر الحيوان والجرعة التي يحتاجها"، موضحةً أن الحالة إذا احتاجت لمتابعة، فإنها تصطحبها معها إلى البيت حتى تتعافى.

وتضيف: "أبحث عن أرضٍ مفتوحة، ومسيجة بالأسلاك يسهل هروب الحيوانات منها في حالات الطوارئ لإقامة ملجأ جديد".

تواجه نور الكثير من السخرية والاستخفاف من قبل بعض المواطنين في قطاع غزة، ممن يرون اهتمامها بالحيوانات في ظل الإبادة، والقصف، والموت المستمر، لكنها تواجههم دومًا بشكل علمي، "فإذا نفقت تلك الحيوانات، سنضطر نحن البشر لاستنشاق غازات سامة تنبعث من أجسادها، وتتفاعل مع هيموغلوبين الدم، مسببة أمراضًا قد لا يمكن السيطرة عليها فيما بعد، خاصة للأطفال والنساء والحوامل".

وتكمل: "إن حرق أجساد القطط والكلاب مع أكوام النفايات دون دفنها بشكل صحيح، يشكل كارثة بيئة حقيقة ستغرق المدينة في موجة من الأوبئة، خاصةً في ظل زيادة عدد الجثث المتكومة تحت الأنقاض، ونشاط القوارض التي أصبحت بحجم حيوان الأرنب، كون أعداد القطط التي تعمل على اصطياد الفئران في تناقص مستمر، فنتج عن ذلك خلل في النظام البيئي".

تلفت نور، إلى أن بعض الدول الأوروبية، وكي تتخلّص من المشكلات التي تسببها القوارض، لجأت لاستيراد القطط من الخارج، وإطلاقها في الشوارع، وبالفعل نجَحَت خلال مدة وجيرة بتجنيب المدينة ويلات كانت ستعاني منها بالفعل، مردفهً بالقول: "أعمل على تطبيق ذات النموذج لدعم إعادة انتشار القطط في شوارع المدينة المنكوبة لكن بجهد فردي".

الأمر بالنسبة لنور، لا يقتصر على القطط وحسب، فالكلاب التي اعتادت على نهش الجثث المتروكة بالطرقات بعد أن تغتالها رصاصات قوات الاحتلال الإسرائيلي، "التي أصبحت تشكل خطرًا على المارين" أيضًا كانت ضمن إطار المساعدة، "فأحاول إعادتها لطبيعتها من خلال إعطائها تطعيمات ضد السعار عبر مرحلتين، وهذا جعلها تنجو من إطلاق النار عليها أو قتلها للحفاظ على حياة القاطنين في المناطق التي تتواجد فيها.

وتحذر نور، من تواجد بعض الكلاب المسعورة، التي تتسبب عضاتها بنقل داء "الكلب" للإنسان، الذي قد يموت ما لم يتم علاجه خلال 10 أيام على أبعد تقدير، ملفتةً إلى أن المشكلة الكبرى تكمن في منع الاحتلال دخول تلك الأدوية والتطعيمات، في ظل حالة مجاعةٍ كبيرة، طالت الإنسان والحيوان على حدٍ سواء.

خاطرت نور، وبعض الأطباء البيطريين المختصين، لإخراج أدوية وتطعيمات من تحت ركام العيادات البيطرية المتواجدة بمناطق صنفها الجيش بالحمراء، من أجل إنقاذ حياة الحيوانات المريضة أو الجريحة، "لا سيما الخيول، التي أصبح يعتمد عليهم بشكل كبير في عملية نقل السكان بعد منع إدخال الوقود للمدينة" تتابع.

وتستدرك: "لكن تلك التطعيمات، قد لا تكفي على أحسن حال سوى لـ 300 حالة فقط، وإن نفذت سيكون مصير أي حالةٍ جديدة الموت المحقق"، مشيرة إلى أن أدوية البشر لا يمكن استخدامها كبديل، "ولذلك ندعو المؤسسات الدولية للتحرك والضغط على الاحتلال، كي يتم إنقاذ ما تبقى من التوازن البيئي في قطاع غزة، خاصةً بعد هلاك الغطاء النباتي".