غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
ينطلق الغزّي الأربعيني جهاد الشمالي، صبيحة كل يوم لجمع ركام المنازل المقصوفة في شوارع وأزقة مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة.
على عربته التي يجرها حمار، يضع أكوامًا من الحجارة الإسمنتية وأسياخ الحديد، التي يعمد إلى إعادة تدويرها، بعد تفتيتها لحصوات صغيرة، من أجل بناء شواهد وقبور، لدفن الشهداء الذين تستهدفهم آليات الاحتلال على مدار الوقت بغزة.
تحت أشعة الشمس الحارقة، انتهى من صنع قبرٍ لمسنةٍ غزية، عجز أقاربها عن إيجاد واحد لها في مقابر دير البلح الممتلئة بالوفيات، حيث لا متسع لقبرٍ جديد. "لقد اضطررتُ إلى تجهيز قبر فوق قبر على شكل طابق إضافي كأحد الحلول، بدلًا من دفنها تحت الرمال" يقول لـ"نوى".
ويضيف: "منذ بدء الحرب على قطاع غزة، لم أتوقف عن دفن الشهداء لو ليوم واحد. يصلنا كل يوم شهداء بالعشرات، مقارنة بقبل الحرب، حيث كنت أدفن 5 جثث في اليوم، وتأكلني حينها الغصة لأنني أشعر بأن العدد مرتفع".
تشهد المقبرة -وفق شمالي- اليوم عشرات الشهداء يوميًا، يصلون أحيانًا في نفس الوقت، بينما لا يوجد إسمنت ولا باطون لبناء قبور أو شواهد جديدة، بسبب منع الاحتلال الإسرائيلي دخول مواد البناء منذ أول أيام الحرب، "ومن هنا جاءت الفكرة. هي ليست فكرة بقدر ما هي حاجة ملحة" يعقب.
ويتابع: "ندفن الشهداء بكرامة، بدلًا من يتم دفنهم تحت الرمال فتأكلهم القطط والكلاب بعد فترة"، موضحًا أن المهنة شاقة للغاية بالنسبة له، كونه يقوم بجمع أكوام الحجارة وتفتيتها وخلطها لتجهيز القبور، "فقبل الحرب كانت تأتي شواهد القبور وأحجار الإسمنت جاهزة من قبل المصانع".
وانتشرت مؤخرًا في قطاع غزة مهنة إعادة تدوير ركام المنازل التي يقصفها الاحتلال الإسرائيلي على رؤوس ساكنيها، لتجهيز مقابر جديدة للشهداء، لم تسلم بدورها هي الأخرى من مجازر الاحتلال الإسرائيلي.
ووفق تصريحات مكتب الإعلام الحكومي بغزة، فإن الاحتلال الإسرائيلي بتعمد سياسية تدمير المقابر في كل محافظة يقوم باجتياحها، حيث عمد إلى تجريف قرابة 60 مقبرة، ونبش أكثر من 1500 قبر، الأمر الذي فاقم أزمة القبور وانتهك حرمتها.
وتلجأ بعض العائلات لدفن شهدائها في منازلها ومقابر جماعية في الساحات والشوارع، بينما قامت وزارة الصحة بدفن شهداء في ساحات المشافي، لا سيما بعد اقتحام الاحتلال مشفى الشفاء، حيث ارتأت الطواقم الطبية دفن جثامين الشهداء ضمن مقبرة جماعية في ساحة واسعة.
ولا يقتصر إعادة تدوير ركام المنازل على هيئة قبور على الرجال فقط، فضيق الحال والظروف المعيشية الصعبة المأساوية، التي يمر بها قطاع غزة بسبب الإبادة المستمرة، دفع النساء لامتهانها أيضًا.

على ركام أحد المنازل المدمرة، وقفت الخمسينية حياة أبو حطب، بحثًا عن الأحجار الإسمنتية المناسبة، التي تأخذها لتبدأ بتكسيرها بمساعدة أبنائها وأحفادها الصغار.
تشرح حياة الموضوع بينما تمسك بين يديها مطرقة كبيرة، تطرق بها الحجارة، والعرق يتصبب من جبينها، فتقول: "نفتت الحجارة إلى حصى، ثم نخلطها بالمياه، ونفردها على شكل قطع إسمنتية بحجم معين حتى تجف، فتصبح جاهزة لاستخدامها كشواهد لقبور الشهداء".
وتضيف: "أزمة مواد الإسمنت والبناء خلقت معضلة كبيرة بين الناس، لا سيما فيما يتعلق بتجهيز القبور، وفي حال وجدت فأسعارها مرتفعة جدًا. الناس في قطاع غزة مكلومة بسبب الفقد والفقر، وهذا الأمر يزيد من الغصة".
مهندس بيئي: للفكرة إيجابيات كبيرة على صعيد البيئة، فقد يخفّف هذا من كمية الركام لو تم اعتمادها على المدى البعيد".
وعن أصعب المواقف التي مرت بها أبو حطب، قالت: "عندما يطلب مني تجهيز شاهد لأحد المعارف، أو لأشخاص مرّوا في حياتي. هذا يدخلني في موجة حزن كبيرة".
بدوره، أشاد المهندس البيئي ياسر أحمد بفكرة إعادة تدوير الركام؛ لاستخدامها في بناء قبور وشواهد للشهداء، خاصة في ظل تزايد عددهم، وانعدام أو شح الإسمنت.
وقال: "لذلك إيجابيات كبيرة على صعيد البيئة، فقد يخفّف هذا من كمية الركام لو تم اعتماد الفكرة على المدى البعيد"، موضحًا أنها (الفكرة) بحاجة لإمكانات كبيرة وخطط استراتيجية.
استخدام ركام المنازل غير ممكن إلا ضمن أفق ضيق، كصناعة القبور على سبيل المثال، "فهي تضم مواد سامة ثقيلة وكبريت يضر بصحة الإنسان".
ونبه في ذات الوقت إلى أن استخدام ركام المنازل غير ممكن إلا ضمن أفق ضيق، كصناعة القبور على سبيل المثال، "فهي تضم مواد سامة ثقيلة وكبريت يضر بصحة الإنسان".
وبين أنه تم رصد قرابة 15 مليون طن من ركام المنازل المدمرة بقطاع غزة، وهذه إحدى أهم الأزمات التي يعاني منها قطاع غزة، إضافة للأزمات البيئة والمجتمعية والإنسانية، والقتل الذي يمارسه جنود الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول للعام 2023م.
