غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
حالةٌ لا يمكن وصفها من القهر والعجز، أصابت الحاج أبو أحمد النجار (72 عامًا)، حينما علم بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي نسف منزله المؤلف من ستة طوابق في منطقة حي تل السلطان، غربي محافظة رفح، جنوب قطاع غزة.

(الصورة تعبيرية) من إحدى مدارس النازحين جنوب قطاع غزة
الرجل وبالرغم من أنه ودع عددًا من أبناء عائلته شهداء في حرب الإبادة التي تشنها دولة الاحتلال على قطاع غزة، منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر للعام 2023م، وبرغم كل ما عاشه من قسوة التهجير والنزوح، لم يستطع أن يبقى ثابتًا أمام خبرٍ كهذا! اهتزّت أركانه، وأكل قلبه الحزن، فمات قهرًا!
يقول ابنه مروان: "4 أيام فقط مرت بعد نسف البيت، قضاها منعزلًا حزينًا، لا يتكلم مع أحد، ويكتفي بذرف دموع الحسرة كلما جاء أحد يخفف عنه المصاب، هكذا حتى وجدناه وقد لفظ أنفاسه قهرًا".
يتحدث مروان النجار، النازح في مخيمٍ بخانيونس جنوبي القطاع، عن مسنةٍ كانت تعيش بجوارهم، فقدت مؤخرًا قدرتها على النطق، نتيجة قهرها على ما حلَّ بهم في الخيام، وهي التي كانت سيدة عز في بيتها بغزة.
يقول: "كانت يوميًا تسأل أبناءها نفس السؤال: بدهمش ينسحبوا؟ بدناش نروّح على بيتنا؟ هكذا حتى صمتت فجأة، وشخّص الأطباء حالتها بأنها على مشارف جلطة دماغية".
وفي حكاية أكثر مرارة، لم يخفِ الصحافي أسامة الدحدوح، قهره على جدته الحاجة فوزية العجلة (80 عامًا) التي صعدت روحها إلى بارئها ألمًا من صعوبة العيش تحت نيران الحرب المتواصلة منذ 11 شهرًا على التوالي.
يقول لـ"نوى": "كانت بخير وتمشي على قدميها إلى أن نزحنا آخر مرة، بعد عدة مرات كان أولها من بيتنا في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة إلى مخيم النصيرات، ثم إلى رفح في أقصى الجنوب، حيث استقر بنا الحال في مدرسة إيواء قريبة من الحدود المصرية".
وجود جدة أسامة في الطابق الثالث، وصعوبة الصعود والنزول بالنسبة لسيدة في مثل سنها، وقهرها من ظروف العيش داخل فصلٍ مدرسي، ومشاعرها -وفق حفيدها- بأنها صارت ثقيلة على من حولها، جعل صحتها تتراجع، وبقي القهر يأكل قلبها حتى صارت غير قادرةٍ على الحركة تمامًا.
يضيف: "تضاعف وجعها عندما عرفت أن منزلنا في الشجاعية دُمر بالكامل. رأت صورة المنزل وهو مسوّىً بالأرض فلم تستطع الاحتمال، ودخلت في نوبة بكاء حادة لم تتوقف".
في مايو 2024م، اجتيحت رفح، ونزحت العائلة مجددًا لخانيونس، بالقرب من مدينة أصداء، "وهناك بقينا لأشهر، إلى أن جاء التهديد الإسرائيلي الأخير، والدخول المفاجئ للآليات العسكرية، فأصيبت جدتي بحالة فزع رهيبة، تسببت لها بنوبة عصبية، وألم وبكاء. اضطر شبان العائلة لحملها هربًا من الموت حتى وصلوا شارع الرشيد الرئيس بين خانيونس ودير البلح، حيث بقوا هناك في العراء ثلاثة أيام" يزيد.

(الصورة تعبيرية) لمسنة نجت من استهداف منطقةٍ جنوبي قطاع غزة
بحسرةٍ يتابع: "ثلاثة أيام متواصلة بلا غذاء، بلا استحمام، بلا حتى قدرة على تناول العلاج نتيجة عدم وجود مراكز طبية في تلك المنطقة، بقيت عائلتي وجدتي بالقرب من منطقة التحلية. وصلنا بعدها لخيمةٍ في الوسطى، ورغم أنها استراحت، واغتسلت إلا أن مرضها اشتد قهرًا من كل ما حل بها، وألمها على دمار البيت، وخوفها على أبنائها الذين تشتتوا، وصار كل واحد منهم في جهة، ومنهم من آخر عدم النزوح أصلًا، وبقي في مدينة غزة".
في لحظةٍ واحدة، أصيبت جدة أسامة بجلطة لم تر بعدها النور. توفيت على الفور، ونقلت لمستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، وسط قطاع غزة، "ثم دُفنت في إحدى المقابر القريبة من المستشفى.. دُفنت بما حملته من خوف ولهفة للعودة، ودموع".
