غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"صار بخفّ الريشة" قالتها أم أحمد وبكت، ثم تابعت بعد تنهيدةٍ طويلة: "صار بوزن طفل عمره عامين".
أحمد النجار (21 عامًا) مصابٌ بالشلل الدماغي منذ الولادة، عاش حياته وسط عائلةٍ ترعاه في بيتٍ بسيطٍ دافئٍ شمالي قطاع غزة، فلم تبخل عليه أمه بحبٍ أو عطفٍ أو اهتمام، قبل أن تندلع الحرب، فينزح برفقتها إلى منطقة الزوايدة وسط القطاع.
بدموع عينيها، حكت السيدة الأربعينية ما حلّ بابنها خلال الإبادة، "إذ انخفض وزنه من 28 كيلو جرامًا إلى 11 كيلو جرامًا فقط"! لقد جاءت الحرب لتضيف إلى مرضه أمراضًا أخرى، على رأسها الهزال وسوء التغذية، وسط وضعٍ ينتهك الآدمية بين طرقات النزوح وداخل خيامه!
تقول الأم: "يا للأسف، لا أستطيع توفير أيٍ من احتياجاته! لقد تدهورت حالته بشكلٍ صعب، بالإضافة إلى إصابته بضمور العضلات، ومضاعفات صحية أخرى جرّاء العيش في الخيام شديدة الحرارة، وسط الذباب والبعوض والقوارض".
قبل إعلان "إسرائيل" حربها على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، كان أحمد يتناول طعامه بانتظام. طعام صحي. وفق نظام يومي لا يتغير، توفّر له أمه الحليب والبامبرز والملابس، ويقوم إخوانه بإخراجه من المنزل إلى شاطئ البحر بصورة دورية ليرفّه عن نفسه. كان يستجيب ويعبر عن فرحه بالضحك واللعب معهم.
أما في الحرب، انقلب حاله، بات لا ينطق أبدًا بعدما كان يتفوه ببعض الأحرف التي تفهمها أمه حينما يعبر عن جوعه أو آلامه أو عن مشاعر فرحه وحزنه. حُرم النزهة، فكرسيّه المتحرك لا يسير على الرمال بين الخيام إلا بصعوبةٍ بالغة، وقد فقد الكثير من وزنه. فقد مقومات عيشه من الحليب والبامبرز جراء الحصار الإسرائيلي المطبق على القطاع.
"حُرم أحمد النزهة، فكرسيّه المتحرك لا يسير على الرمال بين الخيام إلا بصعوبةٍ بالغة".
تضيف أمه: "عندما يسألني أحدهم كم عمره، يصدمه الأمر! الناس والجمعيات الخيرية باتت مذهولة مما حدث فيه، يرون صورته قبل الحرب وبعدها. يبدو طفلًا نعم، لكنه كان بصحته وكان يخضع للعلاج. من يراه اليوم يُقدّر أن عمره خمس سنوات لا أكثر!".
وتتساءل: "تحت نيرات القصف المستمرة، لا يتحمل الأصحاء الإعياء نتيجة انتشار الأوبئة وثقل الهموم التي تقع على كاهلهم جميعًا، فكيف الأمر بالنسبة إلى مريض بحالة أحمد؟".
يعاني أحمد من ضعفٍ في المناعة مقارنةً بحالته سابقًا، وقد زادت مع رائحة نيران الحطب والقذائف والصواريخ التي تطلقها قوات الاحتلال الإسرائيلي على الناس.
تعود لتصف حالته وكأنها لا تريد تصديق الأمر والتسليم به "ابني كان أكثر حيوية، كان يستوعب ما يدور حوله، كان يسمعني حين أناديه، أتت الحرب لتفقده حتى استجابته كل هذه الأمور. تدهورت صحته".
أكثر ما يرعبها اليوم "فكرة النزوح المتكرر"، فوالده بالكاد يرى بعين واحدة بسبب مرضٍ يعاني منه، وإخوانه كل منهم لديه مسؤولياته، "وأما أنا أمه، فلا أستطيع حمله والركض به تحت القصف، حتى لو عدنا إلى شمالي القطاع" تعقّب، حيث دمرت "إسرائيل" البيت، وما فيه من أمنٍ وطمأنينةٍ وحياة.
