للموت في غزة سعرٌ باهظ.. القبر بسبعمئة!
تاريخ النشر : 2024-08-21 14:16

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بجنازةٍ بسيطةٍ حضرها الأقارب المقربون وبعض الجيران، وجميعهم نازحون من مدينة غزة، وصل جثمان الحاجة خديجة أبو بصل إلى مقبرة أنصار في محيط مفترق المدفع شرقي دير البلح.

ما أن حط الركب بنعش المتوفاة أمام قبرٍ مفتوح، حتى سمعوا صوتًا يطلب منهم التوقف. كان هذا حارس المقبرة الذي هرول ناحيتهم طالبًا دفع ٧٠٠ شيقل ثمنًا للقبر، وهو الطلب الذي أصاب الجميع بالذهول.

أخبر الحارس نجل المرحومة بأن عليه دفع المبلغ قبل إنزال الجثمان إلى مثواه الأخير، وهذا ما لم يستطع الابن تحقيقه. قال لـ"نوى": "لا أملك المبلغ، وكل أقاربنا وجيراننا هنا يحتاجون إلى المساعدة"، متسائلًا: "كيف يمكنني تأمين مبلغٍ كهذا من أجل دفن أمي، بينما أنا بالكاد أوفر احتياجات أفراد العائلة من طعامٍ وشراب؟".

لم يملك أبو بصل خيارًا آخر سوى أن يطلب من المشيّعين أن يشاركوا بما تجود به أنفسهم من مال، ضاربًا أخماسه بأسداسه، ومرددًا: "ماذا جرى لهذه الدنيا؟ ماذا جرى للناس؟ أيعقل أن يرتفع ثمن القبر إلى هذه الدرجة؟". وكان ثمن القبر قبيل الحرب لا يزيد على ٣٠٠ شيقل!

هذا الموقف العصيب تكرر أيضًا مع محمد أبو سيف الذي اضطر لدفن عمته "نادية" في إحدى مقابر خان يونس جنوبي قطاع غزة، باعتباره أقرب المقربين لها.

وقال أبو سيف لـ"نوى": "لم تنجب عمتي هذه أيًا من الأبناء طيلة حياتها. كنت بمثابة ابن لها وكانت بمثابة أم لي، وقد عشنا سويًا لسنوات طويلة حتى أجبرتنا الحرب على النزوح معًا".

وأوضح أن عمته المسنة قضت شهيدة في المجزرة الإسرائيلية الشهيرة، التي استهدفت فيها طائرات الاحتلال خيامًا في منطقة مواصي خان يونس قبل أسابيع قليلة.

وأضاف أبو سيف: "لقد شيعتُ عمتي مع عدد قليلٍ جدًا من الناس، وذهبنا بجثمانها إلى المقبرة، وبحثنا عن قبرٍ فارغٍ كي نضعها فيه، وعندما وجدنا واحدًا، حدث ما لم يكن بالحسبان".

وتابع: "لقد طلب منا حارس المقبرة دفع ٧٥٠ شيقلًا ثمنًا للقبر، وعندما أخبرناه أن هذا مبلغ مبالغ فيه، أجاب بأن هذا الارتفاع يأتي بسبب قلة القبور. ثم ألحق ذلك بخيارين أحلاهما مر، إذ قال لنا: يمكنكم دفع المبلغ، أو أخذ الجثمان إلى مقبرة أخرى".

أصيب أبو سيف ومن معه بالذهول من هذا الواقع المرير الذي فرضته الحرب، وقال للحارس حينها: "إن الله وضع كرامات للشهداء، وأنت لم تضع اعتبار لا لكونها شهيدة، ولا لكونها سيدة، ولا لكونها ميتة".

لم تفلح كلمات أبو سيف بتغيير الموقف أو تخفيض ثمن القبر الذي طلبه الحارس، فاضطر لدفعه، وقال: "لقد كان المبلغ كل ما لدي من مال حرفيًا. لا أعرف ماذا كان سيحصل لو لم يتوفر معي هذا المبلغ؟".

ومنذ أكثر من ١١ شهرًا، تمارس دولة الاحتلال الإسرائيلية إبادةً جماعيةً منظمة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، إذ استشهد أكثر من ٤٠ ألف فلسطيني معظمهم من الأطفال والنساء منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، فلا تمر دقيقة في قطاع غزة دون جنازة ومراسم دفن، بمعدل ١٣٠ شهيدًا يوميًا، وفق إعلان وزارة الصحة.

وباتت المساحات الفارغة في قطاع غزة تمتلئ شيئًا فشيئًا بالقبور، حتى أن حفّاري القبور راحوا في أحيان كثيرة يبنون "قبورا فوق قبور" لاستيعاب أعداد الشهداء.

ويقول حسن بركة (٦١ عامًا)، الذي يعمل في حفر القبور بمقبرة أنصار في دير البلح منذ أكثر من ٢٥ عامًا لموقع "نوى": "لقد أصبحت المقبرة مليئة بالقبور، وبتنا نحفر قبورًا فوق بعضها مثل الطوابق".

وعن ارتفاع سعر القبر، أرجع بركة السبب إلى عدة ظروف أولها ارتفاع أسعار حجارة البناء، قائلًا: "ارتفع سعر الحجر الواحد من شيكل إلى ١٢، بسبب توقف معامل الحجارة عن العمل خلال الحرب".

وأضاف: "لقد تضاعفت ثمن الحجارة ١٢ ضعفًا، وبالتالي من البديهي أن يتضاعف ثمن القبر".

وأوضح بركة أن حفاري المقابر يعملون في ظروف خطِرة، إذ استهدفت طائرات الاحتلال عددًا منهم أكثر من مرة خلال عملهم في حفر القبور وتجهيزها.

وتابع بركة: "هذا يفسر غلاء ثمن القبر. هناك مخاطر كبيرة في الحفر، فضلًا عن امتلاء المقابر، وقلة القبور المتاحة".

وحاولت "نوى" التواصل مع مسؤولي بلديتي دير البلح وخان يونس للوقوف على دورهم في قضية ارتفاع أسعار القبور لكن أيًا من هواتفهم، لم تستجب.