"الصيد" تحت الإبادة.. "الموت" في حضن البحر!
تاريخ النشر : 2024-08-19 13:32

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لا أحد في هذا العالم، سيفهم علاقتنا -نحن الغزاوية– ببحرنا!" عبارةٌ تستحق التأمل، قالها الطفل المسحوق من قلب "الإبادة" في قطاع غزة مصعب أبو الخير، ابن الـ(14 عامًا) والكثير من الحروب!

يقول مصعب وأمواج البحر تحتضنه، وتلقي بقاربه يمينًا ويسارًا مثل أرجوحةٍ لطيفة: "أقضي 13 ساعة من يومي هنا، أصطاد الأسماك مع أبناء عمي، الذين يعملون صيادين من أجل توفير رزقهم وطعامهم، في زمن التجويع والقصف الذي يداهمنا في كل آن، فننجو بالصدفة".

ويضيف: "في البحر رزقنا، في البحر لعبنا، في البحر أصحابنا وفي البحر طوق نجاتنا المؤقت. وحتى لو متنا فيه، سيكون علينا أحن من العالم الذي خذلنا".

يعي الطفل تمامًا أن "وعاء الحزن الكبير هذا" لن يحميهم من رصاص الاحتلال الذي يلاحقهم في كل لحظة، "لكن الموت فيه سيكون باردًا. سيطفئ نيران الجسد إن اشتعل بقذيفةٍ أو صاورخ" يستدرك.

ويعرف صيد الأسماك في قطاع غزة، بصعوبته كمهنة، ليس بسبب البحر بالطبع، بل بسبب "إسرائيل" التي تحتله وتعبث بمساحته البحرية، وتحدد نطاقها، وتستهدفهم فيها أيضًا.

يخبرنا مصعب أنه يلتقط رزقه من هنا، رغم كل الخطر المحدق به من فوقه وأمامه وعن جانبيه، وربما من تحته! عيون الطائرات، وفوهات البوارج، وعدسات القناصة، "لكن الحمد لله، الصيادون لا يموتون جوعى" يعقب الفتى ويضحك.

"أعلم أن المفروض ألا نكون هنا كأطفال، بل في المدارس كبقية أطفال العالم. أعلم أن هذا ليس عملي، لكنني أجبرت عليه بسبب الحرب".

وببراءة عمره يزيد: "بصيد سمك، ببيعه، وبجيب مبلغ حلو، بعدين بعطيه لأهلي"، مردفًا بحسرة: "أعلم أن المفروض ألا نكون هنا كأطفال، بل في المدارس كبقية أطفال العالم. أعلم أن هذا ليس عملي، لكنني أجبرت عليه بسبب الحرب".

ولا يخفي مصعب سعادته في أولى لحظات الوصول إلى البحر -وإن بات الأمر عادة- "وتتضاعف أكثر عند التقاطي وأولاد عمي كميات ولو قليلة من الأسماك، نعود بها إلى العائلة، فتطير بها جدتنا المسنة فرحًا، وتحمد الله كثيرًا على الرزق في زمن الجوع، وعلى سلامتنا أيضًا" يكمل.

 ويخبرنا فادي أبو الخير (18 عامًا) -وهو ابن عم مصعب- أنه في كثير من الأحيان، شاهد الدبابات تتقدم نحو الشاطئ. "لا نعلم كيف نفر منها. تطلق النيران علينا فننجو، ثم يركض خلفنا الطراد في البحر فننجو. هذه اللقمة مغمسة بالدم حقًا، لكننا مضطرون!" يقول.

يركب فادي الحسكة، وبالمجداف يقودها مع مصعب وثلاثة من أبناء العم، يرمون الشباك وينتظرون لساعات حتى تعلق بها بعض السمكات، فما أن يتم الأمر، حتى يبدأون الغناء احتفاءً. يقسمون الكمية، بعضها للعائلة، وكمية أخرى للبيع، فيوفرون 100 شيكل أي ما يعادل (30 دولارًا) على الأقل، في اليوم الواحد.

يزيد الشاب: "نأتي هنا ونحن نعرف أن الأمر خطير، لكن الخطر يشمل كل مكان في قطاع غزة، وليس في البحر وحده"، مردفًا: "أرى نفسي ابن البحر، أرفّه فيه عن نفسي. أسبح، وأفرّغ القليل من المشاعر المكبوتة جراء الحزن والموت الذي يأسر قلوبنا تحت القصف والنار، وآكل أيضًا! آكل السمك، وهذه أمنية نحو مليوني إنسان يُسحقون تحت الإبادة".