خالد جودة.. قتلوا "الناجي الوحيد"!
تاريخ النشر : 2024-08-13 16:24

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لو لم تكن هناك حرب، لكان خالد يدور الآن حول أفراد عائلته ملاحقًا كرته. ربّما كان يمررها لأبيه من فوق رأس أمه فيستفزها لتصرخ في وجهه: "دير بالك الشاي".

لو لم تكن هناك حرب، لكانت العائلة كلها اجتمعت حول شاي العصر في فناء البيت، حيث الهواء "بيرد الروح". لو لم تكن حرب، لبقي خالد، وبقي أبواه وأخوته أحياء، ولما عاشوا قبل استشهادهم آلام القصف والتدمير والتهجير والتجويع والقتل!

بصاروخ واحد، قتلت "إسرائيل" الكل إلا خالد! اجتمع أفراد العائلة للمرة الأخيرة مساء الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023م، في ساحة المستشفى. كلهم كانوا شهداء وخالد وحده هناك يبكي عليهم.

دار الطفل بينهم آنذاك يسأل عن أخيه خليل؛ ليأخذ قبلة الوداع الأخيرة، وعن شقيقته مسك، وعن أمه وعن أبيه، كانوا جميعهم أمواتًا بأكفانٍ بيضاء ممددين في ساحة "الوداع" قبل التشييع!

لم يشبع من وداع أحدهم، وبدت عليه علامات الصدمة، أيُّهم يودع أكثر؟ وجه من يتأمل أكثر؟

هذه اللحظات، آخر اللحظات، قيمتها من قيمة الحياة الباقية كلها، وأطفال غزة باتوا يدركون فواجعهم، ويشربون من مرارة الفقد دون أن يحظوا بـ"رفاهية" المواساة!

راجت مقاطع لخالد المودّع، يبكي أمه، وينادي أخوته، ويتجول بين الجثامين محاولًا التعرف على أفراد عائلته. راح يطبع قبلاته الأخيرة ودموعه تسيل على أجسادهم، كان حافي القدمين، وحيدًا، مهزوزًا، لم يتجاور الـ12 من عمره. هذا هو خالد الذي أسماه الإعلام "الناجي الوحيد"، إلى حين قررت "إسرائيل" أن يموت وحده أيضًا، بعد عائلته بأشهر.

خالد هو ابن جيل الحروب، جيل طحنته "إسرائيل" منذ أن كان جنينًا في رحم أمه. وُلد على صوت القصف، وعاش في حصارٍ دائم. لم يعرف ليله الهدوء يومًا! حفِظ أنواع الطائرات الحربية التي تقتل الناس، ولم يفهم بحياته ماذا يعني أن تحلّق طائرة "مدنية" فوق مدينته! لم يعرف من العالم غير مدينته التي اشتهرت بالموت! لم يعرف فيها إلا القصف، راحت عائلته بالقصف، حتى قضى هو كذلك.. بالقصف!