غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"ما لم يطله القصف والتجريف، ماتَ عطشًا" قال المزارع الثلاثيني خليل الأغا وهو يضرب كفًا بكف، ويشير نحو أرضه القاحلة شرقي مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، إلا من بعض الأشجار التي لفظت أوراقها، وصارت هيكلًا من الخشب الميت.
بعد أكثر من 10 أشهر على الحرب التي أعلنتها "إسرائيل" في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي على قطاع غزة، تلفظ أراضي المزارعين في المناطق الشرقية لقطاع غزة أنفاسها الأخيرة، بسبب ما تعرضت له من قصفٍ وتجريفٍ مُتعمَّد، ناهيكم عن قطع الماء والكهرباء عن كافة المناطق في القطاع منذ أول أيام الحرب.

ووفق تقييمٍ أجرته منظمة الأغذية والزراعة، فإن هناك تراجعًا ملموسًا في صحة المحاصيل وكثافتها في شتّى أرجاء القطاع بسبب عمليات التجريف وحركة المركبات الثقيلة والقصف الجوي والمدفعي وغيره.
وحتى شهر أيار/مايو 2024م، تشير التقديرات إلى أن نحو 57% من الأراضي الزراعية في غزة أصابتها الأضرار، بالمقارنة مع أكثر من 40% منها في منتصف شهر شباط/فبراير 2024.
يضيف الأغا: "أمتلك 5 دونمات موزّعة ما بين زراعة مكشوفة ودفيئات، وكانت الأرض مزروعة بالبندورة، والباذنجان، ناهيكم عن أشجار الحمضيات والنخيل والزيتون، لكن انظروا إلى حالها الآن".
في مطلع كانون الأول/ ديسمبر الماضي، نزحت عائلة خليل من المنطقة بفعل التهديد الإسرائيلي بالاجتياح البري، وبدء الهجوم على المدينة، وطوال خمسة أشهر بقيت نازحة في منطقة المواصي (مواصي خان يونس)، لكنها عادت بعد انسحاب الجيش، "ووجدنا المدينة قُتلت بكل ما فيها من مقدرات" يعقب الرجل بحسرة.
وجد الأغا أرضه التي كانت تشكل مصدر رزق له، وقد طالها الدمار، لا سيما الدفيئات التي تم تجريفها بالكامل.
ويتابع: "بعض الأشجار نجت من المقتلة التي لم تستثنِ شيئًا، لكنني أراها تموت كل يوم لأنني لا أملك القدرة على توفير الماء، وبالكاد أستطيع أن أوفره لأسرتي بعد تدمير غالبية الآبار الارتوازية في المدينة".
حتى الخلايا الشمسية التي كان المزارعون يعتمدون عليها في توفير المياه حال انقطاع الكهرباء، طالتها القذائف، وما نجا منها طالته أيادي اللصوص.

واستحوذت خانيونس وفق تقرير "الأغذية والزراعة" على أكبر مساحة من الأراضي الزراعية المتضررة، وزادت مساحة الأراضي الزراعية المتضررة في رفح على الضعف في أيار/مايو بالمقارنة مع شباط/فبراير، إذ ارتفعت من 4.52 إلى 9.22 كيلومترًا مربعًا.
إلى جانب ذلك، أظهر تقييم أجرته منظمة الأغذية والزراعة أن نحو 30% من مساحة البيوت البلاستيكية في قطاع غزة لحقت بها الأضرار حتى يوم 23 نيسان/أبريل، فيما شهدت مناطق مدينة غزة وشمالها أشد الأضرار، (نحو 80% من مساحات البيوت البلاستيكية فيها دُمرت).
يخبرنا الأغا أن الإشكالية الكبرى، تكمن في أن أي عملية استصلاح للأرض هي بمثابة محاولة للزراعة في صحراء، "بل إنها أكثر صعوبة بفعل مخلفات القصف والتجريف التي اختلطت بالتربة" يقول.
الأمر -وفقًا له- يحتاج إلى عمليات كثيرة لتنظيف وتخليص التربة من كل هذه المخلفات أولًا، ثم العمل على تهيئة الآبار الموجودة وحفر آبار جديدة، وتوفير وإمدادات زراعية، ومبيدات حشرية، ومعدات حراثة، مع تجهيز منظومة طاقة شمسية قادرة على سحب المياه، "وكل هذا أكبر من قدرات أي مزارع مكلوم في قطاع غزة" وفق تعبيره.
ما يثير حزن الأغا أنه اليوم تحول من منتج إلى مستهلك، وأصبح مضطرًا لشراء كل ما يلزمه من خضار بعد أن كان مصدرًا لهذه الخضروات.
يعلق بقهر: "أصبحنا نشتهي كل أصناف الخضروات بسب ارتفاع أسعارها، لا سيما بعد أن فقدنا مصدر دخلنا الوحيد، من الزراعة، وبعد أن كنا نلجأ لزراعة غالبية الأصناف، أصبحنا ننتظر أن تأتينا سلة خضار من هنا أو هناك، كل حين".
كل ما يتمناه المزارع الأغا اليوم أن يتم العمل من الجهات الداعمة والمختصة، من أجل دعم ومساندة المزارعين في قطاع غزة، بما يتيح لهم إمكانية العودة لإصلاح ما يمكن إصلاحه من الأراضي الزراعية.
حال المزارع الأغا هو حال غالبية مزارعي قطاع غزة، من شمالها إلى جنوبها، باستثناء المنطقة المصنفة على أنها إنسانية في المواصي، التي لم يطلها التجريف والتدمير للأراضي الزراعية.
المكتب الإعلامي الحكومي: دمر الاحتلال بشكل متعمد 70 بئرًا للمياه، وأخرجها عن الخدمة بشكل كامل.
ووفقًا لبيان مكتب الإعلام الحكومي، فقد دمر الاحتلال بشكل متعمد 70 بئرًا للمياه، وأخرجها عن الخدمة بشكل كامل، فيما أظهرت صور أقمار صناعية تدميرًا واسعًا للأراضي الزراعية منذ بدء الحرب على قطاع غزة.
وبحسب مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، فقد تراجعت صحة وكثافة الأراضي الصالحة للزراعة بنسبة 18% في قطاع غزة في 11 ديسمبر/ كانون الأول 2023م، مقارنة بمتوسط السنوات الست الماضية.
ويؤكد المرصد الأور ومتوسطي لحقوق الإنسان، أن "إسرائيل" أخرجت أكثر من 75% من مساحة الأراضي الزراعية عن الخدمة في قطاع غزة، إما بعزلها تمهيدًا لضمها للمنطقة العازلة على نحو غير قانوني، أو تدميرها وتجريفها، "لتقضي بذلك على السلة الغذائية من الخضروات والفواكه واللحوم، وكافة مقومات الإنتاج الغذائي المحلي الأخرى، بالتوازي مع منعها إدخال المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية في إطار تكريسها للمجاعة في قطاع غزة، واستخدام التجويع كسلاح حرب، ضمن جريمة الإبادة الجماعية المستمرة للشهر العاشر على التوالي".
