غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"ابني ليس مجهولًا، ابني ليس رقمًا، ابني اسمه خالد سائد الشوّا"، هكذا، دوّى صوت أمه "بسمة الخزندار" مرتجفًا في عشرات مقاطع الفيديو. كانت تحاول نزع ابنها من عدّاد الأرقام "الظالم" ليعرف الجميع اسمه، وسيرته، وأحلامه التي قُتلت معه. كانت تحاول أن تسحبه عُنوةً من فم "الخبر" الذي يقفز سريعًا عن شهداء غزة، ليس قصدًا، بل لأن في باب المجزرة هنا دومًا.. مجزرة!
إذن، اسمه خالد سائد الشوا، وعمره (17 عامًا)، أخٌ لأربع بنات هن نجوى وجنى وفرح ومريم، وسندٌ متين في الحرب لرجلٍ جريح، كانت يبادر بتوصيل الطعام له يومًا بعد يوم، قبل أن يأتي تاريخ المرة الأخيرة، يوم الحادي والثلاثين من تمّوز/يوليو للعام 2024م، حين قصفت "إسرائيل" مركبة الصحافيَيْن إسماعيل الغول ورامي الريفي، فارتقى خالد معهما، بينما كان على دراجته الهوائية في طريقه إليه.
تخبرنا الأم: "ضُرب قلبي في مقتل عندما سمعتُ عن شهيدٍ ثالثٍ مجهول الهوية قضى بقصف سيارة الشهيدين الصحافيين، تألمت لأجل أمه، ولم أتخيل أن أكون أنا هي. كيف ذلك وهذا خالد الذي لم يتردد يومًا عن تقديم المساعدة لأي شخص يحتاجه؟".
كان محبًا للخير -تكمل أمه- ينتظر حتى أصنع الطعام، ويحمله إلى جارنا المسن، الجريح، الوحيد في منزله، ولم يتذمر يومًا، مردفةً بصوتٍ يختنق: "أوقات يكون يا ويلي جوعان، بس ما يقبل ياكل إلا يوصل الأكل لجارنا بالأول، إلا يوم استشهاده، طلب ياكل، وبعدين راح. وكأنه حاسس إنه الغداء الأخير، فأراد أن يشبع".
كان خالد يستيقظ من النوم يوميًا، يأكل ما تيسر، ثم يبدأ عمله في تعبئة المياه المالحة لأسرته من أجل استخدامها في أعمال المنزل، ثم يأخذ بطاريات "الليد" (الإنارة) ليشحنها في مكانٍ آخر فيه طاقة شمسية، ثم يعود ليقوم بتعبئة المياه الحلوة الخاصة بالشرب، وبعد ذلك يُشعل نار الحطب لوالدته كي تصنع الطعام.
وتضيف: "منذ شهرين وهو بشكل يومي يذهب لإيصال الطعام لجارنا المُسن الذي يسكن مخيم الشاطئ، كان ذراعنا الأيمن أنا ووالده وشقيقاته".

حلمت الأم طوال حياتها منذ أنجبته أن تراه متفوقًا في الثانوية العامة، وكان هذا عامه، لولا الحرب! تخيّلَتْ مرارًا أن الصحافيين سيدخلون منزلها لتهنئتها والكتابة عن نجاحه، لكنها لم تتوقع أنها ستستقبلهم ليكتبوا عن استشهاده.
أما هو، فكان يرى نفسه مهندس ميكانيكا، أو مهندس اتصالات. كان ينتظر دخول التوجيهي ليتوج بعدها حلم حياته، إلا أن حياته انتهت إلى هنا بفعل صاروخٍ إسرائيليٍ قضى عليه وعلى إسماعيل ورامي.
تصمت الأم، وتعود لتردد: "ابني ليس شهيدًا مجهول الهوية. ابني ليس رقمًا في عدّاد الموت المطبق على سكان قطاع غزة. ابني اسمه خالد سائد الشوا".
