غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"أكثر ما يخيفني هو النظر إلى السماء" يقول الطفل نور الحسنات لـ"نوى"، ويبتسم قهرًا. "في السماء لا تطير العصافير وحسب، فهناك طائرات مخيفة تصب حممها، وأخرى لئيمة، تلاحق أحلام الصغار، واسمها كواد كابتر" يضيف.
لطالما زارت تلك الطائرات المستحدثة في سياق القتل والتدمير الإسرائيلي أحلام "نور"، وفي كل مرةٍ كان لا ينجو من رصاصها المباغت. تصحو أمه على صوت صراخه، وتحاول تهدئته عبثًا. يخبرها أنه رآها، وأنه ينزف. تصدقه، وهي التي تعي أن قلوب الأطفال تحت حمم الموت كلها تنزف خوفًا، وليس في الحلم فقط!

نور (13 عامًا) القاطن في خيمةٍ داخل مواصي خانيونس برفقة أمه وشقيقه الوحيد، يرى "الكواد كابتر" ألدّ أعداء الطفولة. كيف لا؟ وقد كان شاهدًا على مجازر ارتكبتها أمام عينيه، وعلى سمعه، راح ضحيتها الكثير من أصدقائه.
تتساءل أمه: "كيف يمكنني أن أقنعه بألا يخاف، وأنا نفسي أخاف منها؟"، مشبهةً إياها بالشبح الذي يطارد الصحو والمنام، تارةً بالأصوات الغريبة التي تطلقها وتبعث على الرعب، وتارةً برصاصها القاتل، الذي يمكن أن يباغت فجأة أي جسمٍ متحرك.
والكواد كابتر، هي من الطوافات التي يتم رفعها ودفعها بواسطة أربع مراوح أفقية، وتصنف على أنها من الطائرات العمودية، وقد ارتبط وجودها في سماع قطاع غزة، بتوزيع الموت دون أدنى شفقة، "حتى أنها شكلت لدى الكبير والصغير هاجسًا من الصعب تخطيه حتى بعد انتهاء الحرب" تقول أم نور.
تصدر طائرات "كواد كابتر" أصواتًا مخيفة، تارة صوت امرأةٍ تستغيث، أو نباح كلاب، أو طفل يبكي، وأحيانًا "نكات" ترميها فوق رؤوس الثكالى والمكلومين استخفافًا بحرقة قلوبهم، ناهيكم عن مهمتها الأساسية بإطلاق النار تجاه المواطنين، أو إصدار أوامر بالتوقف أو الرحيل، بالإضافة للمراقبة والرصد.
وتخشى جمانة الفرا (15 عامًا)، الاقتراب من الشباك أو النوم في مواجهته. تقول: "أشعر بأن طائرة كواد كابتر يمكن أن تدخل في أية لحظة".
وتصف تواجدها في سماء المدينة بقولها: "وجودها يربكنا فعلًا، ويجعلنا طوال الوقت في حالة توتر وقلق. ونخشى من إصدار أي حركة إذا ما شعرنا بأنها حولنا".
تخشى الفتاة من إضاءة الغرفة ولو بكشاف الهاتف، أو إيتاء أي حركة، طالما سمعتها تحوم، وكثيرةٌ هي الليالي التي بقيَت مستيقظة فيها طوال الليل خوفًا من الأصوات التي تصدرها. "أعرف أنها قريبة جدًا، وأخشى أن تدخل من فتحة النافذة التي تحطمت نتيجة القصف" تضيف.
تعرضت جمانة وعائلتها لإطلاق نار من قبل طائرة "كواد كابتر" بينما كانت الآليات العسكرية تدخل منطقة مواصي خانيونس باتجاه مدينة حمد، هذه الحادثة بقيت عالقة في ذاكرتها حتى اللحظة. تعقب: "كنا نشعر بأن الموت أقرب ما يكون لنا، بقينا في وضعية الانبطاح طوال الليل ولم نحرك ساكنًا حتى الصباح، لا أعرف كيف بقينا أحياءً؟ منذ ذلك الوقت أشعر أن هذه المسيرة أخطر ما يكون علينا، فهي قد تنهي حياة شخص أو عائلة بأكملها في لحظة".
لا يقتصر الخوف من المسيرة القاتلة على الأطفال، فـ"الكبار أيضًا يخافون منها" يقول الشاب محمد ياسر، ويضيف: "أكاد أجزم أنني أخاف من هذه المسيرة أكثر من الدبابة أو حتى الطائرة الحربية من نوع أف16".
ويذكر محمد أنه ذات يوم كان على سطح منزله في وقتٍ متأخر لالتقاط إشارة الإنترنت، وفجأة سمع صوت "فحيحها" كما يصف، يتابع: "شعرت بها لكنني لم أرها، لا أعرف كيف هربتُ إلى أسفل المنزل في ثوانٍ. لا أحد يتوقع ما يمكن أن تفعله هذه المسيرة، فهي تحمل القنابل والرصاص، وتشكل بالفعل هاجسًا كبير".
أما سجى عطا الله (16 عامًا)، فهي تخاف من مجرد ذكر اسمها، لكثرة ما سمعت من قصص عنها على لسان صديقاتها، وما قرأته عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تقول: "بدأتُ أنتبه لأصواتٍ غريبة تصدر ليلًا. تارةً لامرأةٍ تستغيث، وتارة لطفلٍ يبكي، حتى أنني تخيّلتها ذات مرة تقف على شباك الغرفة التي أنام فيها، الأمر جدًا مخيف".
ووثق المرصد الأورمتوسطي لحقوق الإنسان حالات قتل متزايدة يرتكبها الجيش الإسرائيلي عبر إطلاق النار المباشر، وإلقاء القنابل المتفجرة من طائرات مسيّرة صغيرة الحجم تُدعى "كواد كابتر"، في إطار جريمة الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر الماضي.
وجاء في بيان المرصد: "إن الجيش الإسرائيلي يستخدم طائرات كواد كابتر المسيّرة إلكترونيًّا عن بُعد، لأغراض متعددة بدءًا من المراقبة والتجسس، إلى جانب توجيه أوامر التهجير، وترهيب المدنيين عبر إصدار أصوات مزعجة، والأخطر استخدامها كأداة قتل وإيقاع أذى في صفوف الفلسطينيين".
وأكد المرصد توثيقه عشرات حالات القتل والإصابة لمدنيين فلسطينيين، في عمليات قنصٍ عبر إطلاق النار من طائرات كواد كابتر المسيرة، أو من خلال إطلاقها صواريخ موجهة ضد الأفراد".
المرصد الأورومتوسطي: يُستخدم هذا النوع من الطائرات لترويع الفلسطينيين وبث الرعب في قلوبهم، والتأثير سلبًا على صحتهم النفسية، من خلال إصدار الأصوات المرعبة، وتوجيه الأوامر.
وتؤكد الشهادات التي جمعها الأورمتوسطي أن الجيش الإسرائيلي يستخدم بشكل منهجي طائرات كواد كابتر، في تنفيذ عمليات قتلٍ عمد، وإعدامات غير قانونية ضد المدنيين الفلسطينيين، خاصة في المناطق التي تشهد توغلات ومداهمات إسرائيلية، ثم تتراجع عنها الآليات الإسرائيلية، "بحيث تستهدف عبر هذا النوع من الطائرات، المدنيين الذين يحاولون العودة لتفقد منازلهم".
وأشار المرصد إلى أنه يجري استخدام هذا النوع من الطائرات أيضًا؛ لترويع الفلسطينيين وبث الرعب في قلوبهم، والتأثير سلبًا على صحتهم النفسية، من خلال إصدار الأصوات المرعبة، وتوجيه الأوامر، فضلًا عن وجودها المستمر في الأجواء.
