"خيمة" في مواجهة "الإبادة التعليمية" بدير البلح
تاريخ النشر : 2024-07-10 12:58

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

اصطفت مجموعة من الأطفال في طابورين منتظمين داخل خيمةٍ قماشية، علق أحدهم على بوابتها ورقة، كتب فيها بخط اليد "مدرسة الوفاء".

أمرت المعلمة الأطفال بالاستعداد لترديد النشيد الوطني الفلسطيني، فوقفوا باحترام. لم يكن هناك علم فلسطيني، فجلبت المعلمة أربع قطع قماشية ملونة بألوان العلم الفلسطيني (الأحمر والأسود والأبيض والأخضر) وربطتها ببعضها ثم علقتها على طرف عصىً خشبية، ورفعتها بيدها أمامهم لتحية العلم.

ردد الأطفال الذين غيبتهم الحرب عن مقاعدهم الدراسية منذ نحو عشرة أشهر: (بلادي يا أرضي يا أرض الجدود.. فدائي يا شعبي يا شعب الخلود).

صفق الجميع وبدأت المعلمات بالتعريف عن أنفسهن أمام الطلبة، وعن المواد التعليمية التي سوف يعلمنها لهم. قالت المعلمة تهاني درابية النازحة من حي النصر غربي مدينة غزة: "أنا هنا سأعلمكم الحساب، سنراجع سويًا جداول الضرب".

وقالت المعلمة سماح القوقا النازحة من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة: "وأنا هنا سأعلمكم اللغة الإنجليزية، وسنراجع معًا الحروف والأرقام وبعض الكلمات المهمة".

فيما نادت المعلمة نادين بدر النازحة من مخيم جباليا شمال قطاع غزة على الطلاب، وقالت: "أنا سأعلمكم اللغة العربية، وسنراجع سويًا الجمل الاسمية والفعلية والضمائر".

وأُسست هذه الخيمة التعليمية بمبادرة تطوعية من مجموعة من المعلمات النازحات من مناطق مختلفة من شمالي قطاع غزة، اجتمعن في مركز إيواء واحد داخل مدينة دير البلح وسط القطاع، وعشن معاناة نزوح مشتركة تحت وطأة حرب دموية أتت على الأخضر واليابس.

تقول المعلمة نادين بدر لـ"نوى": "كانت هذه الخيمة نتاج فكرة ولدت بالصدفة، فبينما كنت ومجموعة من النساء نصنع الخبز سويًا بين خيامنا، اكتشفتُ أن بيننا عدة معلمات يعملن في مدارس حكومية وأخرى تتبع الأونروا".

وأضافت: "اقترحتُ عليهن تأسيس خيمة تعليمية لنجمع الأطفال النازحين فيها ونحاول أن ننعش ذاكرتهم التعليمية".

وأوضحت بدر أن الذاكرة التعليمية للأطفال النازحين، تعاني من حالة موت سريري، بسبب تغيبهم عن المقاعد الدراسية منذ أكثر من تسعة أشهر من الحرب الدموية.

ولفتت النظر إلى أن المعلمات تعهّدن ببذل كل جهدٍ تطوعيٍ ممكن من أجل تذكير الأطفال بدروسهم التعليمية، ومحاولة تعويضهم ما فاتهم من دروس.

وبينت بدر أن المعلمات لا يثقلن على الأطفال بدروس تعليمية صعبة، بل يركزن على مراجعة الأساسيات من أجل إعادة ترسيخها في عقول الأطفال.

كان الطلبة الأطفال متحمسون ومتفاعلون مع معلماتهم للغاية، إذ احتوت الخيمة على أطفال من الجنسين من كافة أعمار المرحلة التعليمية الابتدائية (من ٦ سنوات إلى ١٢ سنة).

الطفل يامن أبو جياب (١٠ سنوات) وهو نازح من مدينة غزة، وجد من هذه الخيمة فرصة لمراجعة دروسه التعليمية.

ورغم صغر سنه، يواظب أبو جياب منذ تغيبه عن مقاعد الدراسة مع اندلاع الحرب، على العمل مع والده في بيع المعكرونة والقهوة على بسطة صغيرة في سوق دير البلح.

يستدرك: "لكن عندما سمعت عن هذه الخيمة التعليمية فرحت كثيرًا، وأخبرتُ والدي أنني سأتوقف عن البيع، وسألتزم بحضور الدروس يوميًا".

واستذكر الطفل مدرسته في مدينة غزة التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي مثل عشرات المدارس والمؤسسات التعليمية في المدينة، وكيف كان طالبًا متفوقًا.

فيما قالت المعلمة تهاني درابيه لموقع "نوى": "تواجه هذه المبادرة عدة تحديات، أهمها توفير ما يلزم من احتياجات، على رأسها الخيمة، ولوح خشبي، وأقلام، ودفاتر، وبعض الوسائل التعليمية الضرورية".

ولأنهن لم يملكن المال، تعهد العديد من أهل الخير ومن الجيران، بتوفير ما يلزم من أجل إنشاء هذه الخيمة التعليمية، وقد حصل ذلك، "لكن هذه المبادرة بحاجة إلى المزيد من الدعم من أجل تطويرها".

وبينت درابية أن هذه الفكرة حظيت بترحاب كبير في أوساط أولياء الأمور من النازحين في الخيام ومن الجيران المقيمين.

رنا البواب، والدة أحد الطلبة في الخيمة، أشارت إلى أنها سعيدة جدًا بتأسيس هذه الخيمة التعليمية، وتتمنى استمرارية عملها بشدة.

وقالت: "منذ بداية الحرب كنت خائفة جدًا من ضياع مستقبل أطفالي، ولكن هذه الخيمة التعليمية تُعد محاولة لاستعادة المسيرة التعليمية، وإن كانت بشكل غير منهجي".

ودعت البواب إلى تكرار التجربة في كل مخيمات الإيواء داخل قطاع غزة، وعدم انتظار انتهاء الحرب لبحث آلية عودة الأطفال إلى مسيرتهم التعليمية.

ووحسب إحصائيات وزارة التربية والتعليم بغزة، فقد استشهد 8672 طالبًا وطالبة وأصيب 14583 آخرين في قطاع غزة، فيما استشهد 497 معلمًا وإداريًا، وأصيب 3402 غيرهم في قطاع غزة والضفة الغربية، منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي.

استشهد 8672 طالبًا وطالبة وأصيب 14583 آخرين في قطاع غزة، فيما استشهد 497 معلمًا وإداريًا، وأصيب 3402 غيرهم في القطاع والضفة الغربية، منذ بدء العدوان.

وكان خبراء أمميون قالوا في تصريحات نشرتها وسائل إعلامية: "إن تدمير أكثر من 80 بالمئة من مدارس غزة، يثير التساؤل بشأن "إبادة تعليمية متعمدة" لتدمير نظام التعليم الفلسطيني بشكل شامل".

ووضعت وزارة التربية والتعليم في غزة خطة مبدئية لاستئناف مسيرة التعليم الأساسي والثانوي في اليوم التالي لانتهاء الحرب، تستند إلى إقامة 25 ألف خيمة كقاعات دراسة بديلة في ظل التدمير الكلي أو الجزئي الذي أصاب معظم المدارس في القطاع، وتتضمن الخطة توظيف آلاف المدرسين والمساعدين، بدلًا عن المعلمين الذين قتلوا في الحرب.