غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تصف تالا البنا، صاحبة الأربعة عشر ربيعًا، صداقتها مع الحصان "ماركل" بالقول: "كانت راحتي فقط في رؤيته، نتحدث كما لو أننا نجيد لغة بعضنا. كنتُ أعرف ما يحتاجه، أو ما يشعر به بمجرد النظر في عينيه".
بدأت حرب الإبادة، وانتهت الحكاية. حكايةٌ كانت قد بدأت لتوها بين تالا وحصانٍ أصيلٍ في أحد إسطبلات نادي الفروسية بمنطقة الشيخ عجلين، بالقرب من الطريق الساحلي، إلى الجنوب الغربي من مدينة غزة. بنَت تالا برفقته حلمًا لا حدود له، فحاصرته حربٌ مجنونة، وصواريخ، ونيرانٌ وموتٌ أكبر من قدرة عقلها الغضّ على الاستيعاب.
"لطالما امتطيتُ ظهره، فمشى بي مزهوًّا، كان يأكل من يدي الطعام، ويعرف كيف يخرجني من يأسي"
في خيمة عائلتها بمواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تداعب تالا حفنة رملٍ، وتعود بذاكرتها إلى ما قبل تسعة أشهر، حينما كانت تقضي الساعات مع صديقها "ماركل"، تقول: "لطالما امتطيتُ ظهره، فمشى بي مزهوًّا، كان يأكل من يدي الطعام، وأحيانًا إذا رآني أحوم في المكان يرفض تناوله من يد غيري".
بدأت شرارة هذه الصداقة مع الخيل، حين طلبت الطفلة من والدها ذات مرة ركوب حصان، فأخذها إلى نادي الفروسية، وهناك حققت الكثير. حصلت على الكثير من التدريب على يد محترفين في ترويض الخيول، أولئك الذين لم ينقصهم كثيرٌ من الفطنة لإدراك مدى تعلقها بهذا الحصان تحديدًا، لا سيما وقد شاهدوها مرارًا تتأمل سكونه في الاسطبل.
خلال فترةٍ قصيرة، صارت تالا قادرةً على ترويض الخيل، وركوبه، وإطعامه، واللعب معه حتى، وما عزز حبها له (وهو الذي شاركها التدريب طوال الوقت) فوزه معها في منافسةٍ ضد فريقٍ فرنسي، فالتهب حماسها وكبُر الحلم ليصبح "الوصول إلى العالمية".
هذا الحلم، تكسّر على صخرة الواقع، في خيمةٍ على شاطئ بحر مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، حيث تعيش تالا اليوم برفقة أسرتها بعد أربع محطات من النزوح الإجباري؛ بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة.
تخبرنا: "فقدت بيتي الأول في مدينة غزة، والثاني في مدينة خان يونس، وها أنا ذا كما ترون في إحدى زوايا الخيمة، أستذكر لحظات اللعب مع صديقي الحصان، الذي لم أره منذ تسعة أشهر".
عندما كانت تالا تصاب بالملل، كان أهلها يعرفون تمامًا الدواء. زيارة إلى نادي الفروسية، ورؤية "ماركل" هذا كل شيء، ويا حبذا لو رافق تلك الرحلة وجود إنترنت، والبحث عن كتب تتحدث عن الخيول وطبيعتها وكيفية ترويضها! "أما الآن فلا شيء. لا أفعل شيئًا سوى أنني أتأمل سقف الخيمة، وماركل بعيد كل البعد عني، لا أعرف عن مصيره أو مصير النادي أي شيء" تعقب.
وتزيد: "يأسرني اشتياقي لماركل، كما يأسرني تضامني مع كل ما أرى من ألم خيول الجرّ في الشوارع، صحيح أنني لم أنس وجعي على كل الأطفال الذين باتوا أشلاءً متناثرة تحت أتلال الركام، وعلى من فقد والده أو أمه أو أحد أفراد أسرته أو بيته الذي يحب، إلا أن هذا الأسى لن يمنعني أيضًا من التعاطف مع هذه الحيوانات الجميلة، التي أثقلت كواهلها الحرب والأحمال والجوع والخوف".
"هذه الخيول هي نسخة منا في معاناتنا مع شح الطعام والشراب، وجشع كل من حولنا دون رحمة أو هوادة".
وتتابع: "هذه الخيول هي نسخة منا في معاناتنا مع شح الطعام والشراب، وجشع كل من حولنا دون رحمة أو هوادة، وكأن الإنسان هو الكائن الوحيد على هذه الأرض الذي يفتقد إلى الإنسانية".
وتنهي البنا حديثها بالإشارة إلى ضعف البنية وقلة الاهتمام التي تظهر على خيول شاطئ البحر، وظهور بقع الأوساخ والتهاب الجروح على مختلف مناطق جسدها، منوهةً إلى أنها حاولت مرات عديدة من ذي قبل تجربة ركوب إحداها، إلا أنها تتراجع في كل مرة.
تعلق: "لا يهتم أصحابها بنظافتها أبدًا، ويبدو الإرهاق باديًا عليها بما يجعلها غير مناسبة للامتطاء"، مختتمةً بأمنيتها الطفولية البسيطة: "أدعو كل ليلة بأن تنتهي الحرب، وأن أرى ماركل. لا أعرف في تلك اللحظة ما يمكن أن أفعله، لكن الأكيد أنني سأتابع المضي برفقته على درب حصد الذهب".
