غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في أي عدوانٍ على قطاع غزة، تتصدّر المرأة التي تركضُ في أروقة المستشفيات بحثًا عن ابنها أو زوجها المصاب والشهيد الصورة.
تلك المرأة، هي ذاتها التي تعود بعدها إلى البيت، وتكمل واجباتها المنزلية لإعالة من تبقى على قيد الحياة.
في العدوان الأخير 2023- 2024م، اكتسحت المرأة الغزية المشهد، ولم تتصدره فقط، فما وقع عليها من ضغوط الحياة، لم تجربه امرأة على وجه الأرض، حينما انتقلت من حياة البيت إلى حياة الخيمة والنزوح، حيث حياة البدائية الأولى!
توقد الحطب، وترقع الخيمة بالنايلون، وتهشُّ الحيوانات الضالة. تجري بابنها المصاب إلى المشفى، وتودعه شهيدًا في ثلاجة، ثم تعود لتكمل مصاعب الحياة الجديدة، بما تحمله من قلق وضغوط وتوتر واكتئاب.
"ليس ضعفًا حين تُظهر المرأة الغزية تعبها النفسي"، كما تقول ناهدة العمصي، وهي نازحة من حي النصر غربي مدينة غزة، إلى خيمة في مواصي خان يونس، جنوبي القطاع.
فقدت ناهد زوجها وبقيت مع صغارها الثلاثة تعيلهم وحدها، حتى عائلتها الكبيرة، بقيت في الشمال، تعاني ويلات الجوع والقصف والحصار.
تخبرنا: "طوال اليوم أسعى لرزق صغاري، لدرجة أنني صرت أصنع الكعك، وأرسله مع ابني البالغ من العمر تسع سنوات ليبيعه للنازحين. حين يأتي علي الليل، تتملكني رغبة ملحة في الصراخ! لكنني أراعي أنني بين عشرات الخيام، وآلاف النازحين حولي نيام".
وتشير إلى أنها تشعر بتوتر وعصبية شديدة تلقيها من وقتٍ لآخر على صغارها، واصفةً الحرب بـ "الملعونة" كونها انتهكت انسانيتها، وجعلتها تتحمل فوق طاقتها.
"كل ليلة أبكي وأكتم أنفاسي، فقدتُ زوجي وبيتي الذي قصف في الشمال، أوقات كثيرة أردد "بدي أمي"
تتابع: "كل ليلة أبكي وأكتم أنفاسي، فقدتُ زوجي وبيتي الذي قصف في الشمال، أوقات كثيرة أردد "بدي أمي"، أشعر وكأني طفلة أريد أن ألهو وأفرح، لكن حتى الصغار لا وقت لفرحهم فعليهم واجبات لابد من تنفيذها وقت الحرب من جلب الماء وجمع الحطب".
إلى شمال قطاع غزة -تحديدًا- إلى حي الدرج، حيث تجتمع النازحات في مركز للإيواء داخل مدرسة تتبع الأونروا (وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) مرتين أسبوعيًا، لمدة ساعة، من أجل التفريغ النفسي.
هذه الجلسات تقودها شابة متطوعة تأتي من وقتٍ لآخر، "يصرخن، يرسمن، يحكين معاناتهن في الفقد والنزوح" تقول لـ"نوى".
إحدى المشاركات وهي فاتن اسليم (37 عامًا)، تسكنُ بالأصل في حين التفاح بمنطقة الشعف، لكن بيتها قُصِف، ولاتزال منذ بداية الحرب تتنقل من مركز نزوح لآخر.
تخبرنا: "كان بيتي جميلًا. كنت أشعر بداخله أنني ملكة لا ينافسني أحد. كنت أنتقي كل أشيائي لكنه قُصِف (..) كل ليلة أقلب بهاتفي لأتذكر تفاصيل حياتي، ورغم مرور تسعة أشهر، إلا أنني لا أستوعب حتى اللحظة ما يجري"، مضيفةً: "أشعر وكأنني في كابوس. في مراتٍ كثيرة أصرخ لأتفه الأسباب، ودومًا أردد (أريد العودة لبيتي)".
وتضيف: "لدي غصة كبيرة، وأشعر بالعجز، أشعر بأنني مكبلة اليدين لا أستطيع فعل شيء لحماية عائلتي (..) أكثر ما يرهقني هو نزوح والدتي وأشقائي إلى دير البلح وسط القطاع، وبقائي وحيدة. في كثيرٍ من الأحيان، ينقطع الاتصال لأسابيع طويلة وكل منا يظن أنه قُتِل في الحرب".
وتذكر أن ما يقلقها وبقية النساء هو القصف والجوع، لا سيما في شمال القطاع، فهن يبحثن عن أي شيء لإعالة أسرهن، ويصنعن من الأعشاب التي تنبتها الأرض وصفات "صحية" حسب ما يخبرن به صغارهن، مشيرةً إلى أن القصف والجوع يضعهن في وضع نفسيٍ سيئ، فيشعرن أنهن قد يفارقن الحياة في أية لحظة، إما بسبب صاروخ حربي أو لنقص الطعام.
وتختلف حكاية نرمين سالم (41 عامًا) عن سابقاتها، فهي تصارع الحرب وحيدةً دون أولادها الذين خرجوا برفقة طليقها إلى مصر.
تقول: "كنتُ قلقة عليهم طوال الحرب حين كانوا برفقتي بعدما نزحتُ من حي الرمال وسط مدينة غزة إلى خيمةٍ في منطقة الزوايدة بالمحافظة الوسطى. كنتُ أعيشُ صراعًا داخليًا بين خوفي على أطفالي، وخشيتي من أن يتهمني زوجي بالتقصير بحقهم، أو التسبب لحدوث مكروه لهم، في حال رفضي خروجهم معه إلى مصر رغم أنني أدرك أنني قد لا أراهم لسنوات".
"أوقات بخطر على بالي أروح على مكان القصف لأتخلص من حياتي، لكنني أعود لعقلي وأتمشى بين الخيام"
وبخجلٍ تقول: "أخاف أن أقتل نفسي من شدة اشتياقي لهم (..) أوقات بخطر على بالي أروح على مكان القصف لأتخلص من حياتي، لكنني أعود لعقلي وأتمشى بين الخيام وأسمع مشاكل النازحين فأهون على نفسي، وأعمل على رعاية والديَّ، فأجهّز لهما الخيمة، وأطهو الطعام المتوفر".
وتكمل: "في بعض الأوقات، أهرب من هواجسي وضعفي إلى القراءة، وأحيانًا أُدوّن يوميات النزوح"، ثم تضحك معلقة: "لا أخفيكم، ذهبت إلى عيادة الوكالة أبحث عن طبيبٍ نفسيٍ علي أحصل على مهدئات، لكن لا شيء هناك، فقط الوصفة كانت "الصبر والهدوء".
آثار الحرب..
ولأن المرأة الغزية عاشت أهوال الفقد والنزوح، والظروف الحياتية القاسية، انعكس ذلك على وضعها النفسي، وهنا تقول إيناس الخطيب الاختصاصية النفسية: "الحرب معناها فقدان الاستقرار النفسي والعائلي والأسري، مما ينتج عنه عدم الإحساس بالأمان، والشعور بالراحة".
وتوضح لـ "نوى" أن كل امراة كان بيتها هو مأمنها، وفقدانه تسبب لها بالاختناق وعدم الاستقرار والقلق، مما سمح بالإصابة بنوبات الهلع، وهذا ما تعانيه غالبية السيدات في هذه الحرب".
وأشارت الخطيب إلى أن عدم مقدرة السيدات على توفير الغذاء لأولادهن، ترتب عليه آثار النفسية أشعرتهن بعدم وجود الأمان في كافة مناحي الحياة، مؤكدةً أن الإحساس بالخوف، هو مفتاح كل الأمراض النفسية.
ووفقًا للخطيب، فإن المرأة إذا شعرت بالخوف، لن تستطيع التحرك، وسيصيبها إحساس العجز لعدم مقدرتها على حماية نفسها وأولادها وعائلتها، لا سيما وأن النزوح جلب مشاعر نفسية سلبية، جعلت النساء يشعرن بالغربة والغرابة.
وعن إمكانية العلاج النفسي وقت الحرب، تشير الخطيب إلى أن الجميع يعاني من صدمات نفسية، ويصعب وقت الحرب علاجها سواءً بالأدوية أو حتى بجلسات الدعم النفسي، كون الحرب مستمرة ويعيش فيها الغزي صدمات متكررة.
فور انتهاء الحرب، تحتاج النساء إلى جلسات دعم نفسي، وهذه هي المرحلة الأولى للعلاج.
وتوضح أنه فور انتهاء الحرب، تحتاج النساء إلى جلسات دعم نفسي، وهذه هي المرحلة الأولى للعلاج، "ثم تحديد احتياجات العلاج النفسي، لتفريغ المشاهد التي عاشتها، حتى تستطيع إكمال حياتها بهدوء، بعيدًا عن أي هواجس عصبية أو نفسية".
