غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"غصّةٌ في القلب" يصف ماجد الكرد عدم مقدرته على شراء أضحيةٍ هذا العام، الذي يمر على قطاع غزة تزامنًا مع عدوانٍ إسرائيليٍ وحشيٍ وحصارٍ خانق، وقد اختفت كل طقوس العيد.
اعتاد الكرد (40 عامًا) على شراء أضحية العيد منذ سنواتٍ طويلة، غير أنه هذا العيد يفتقد القدرة المالية والنفسية، وقد عبثَت الحرب بمصيره ومصير عائلته التي استشهد منها زهاء 200 فرد، منذ اندلاعها في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.
"لن أضحي هذا العام، وأسأل الله أن يغفر تقصيري. أنا هنا كما ترون في خيمة، أكافح من أجل توفير لقمة عيش أطفالي"
يقول لـ"نوى"، بينما يجلس على باب خيمته في مستشفى شهداء الأقصى: "يُقبل العيد حزينًا هذا العام لكثرة الجراح"، مضيفًا: "لن أضحي هذا العام، وأسأل الله أن يغفر تقصيري. أنا هنا كما ترون في خيمة، أكافح من أجل توفير لقمة عيش أطفالي، بينما عائلتي وجيراني وأصحابي مشتتون في الخيام ومراكز الإيواء".
وظلت ميسر ظاهر (65 عامًا) تجمع المال وتدخره العام الماضي، حتى أودعته لدى تاجر مواشي في جباليا شمالي القطاع، بغرض شراء أضحية العيد، لكنها أُجبرت كما مئات الآلاف من سكان مدينة غزة وشمالها على النزوح جنوبًا، هربًا من حمم النيران الإسرائيلية.
خاضت ميسر مع أسرتها وعائلتها تجربة النزوح مرارًا من منزلها في تل الزعتر بجباليا إلى مراكز إيواء في الشمال، حتى وصلت خيمتها في "شهداء الأقصى" بدير البلح، وتتساءل في حديثها لـ "نوى": "أي عيد سيمر علينا في غزة وسط هذا الدم والدمار؟".
وكانت ميسر تمني نفسها بشراء أضحية العيد، لكنها اليوم لا تفكر بشيءٍ سوى النجاة بنفسها وأسرتها والعودة إلى منزلها في جباليا، وتستدرك: "كذلك منزلنا قُصِف، ولكننا نريد العودة والعيش فيه، ولو على أنقاضه".
وتتشابه في غزة حكايات الألم في زمن الحرب، ويقول مصعب علي (29 عامًا) إن النية كانت لديه لشراء أضحية العيد، "لكن كيف نُضحّي وقد فقدنا أعمالنا ومنازلنا وأحبابنا؟"، يتساءل.
اضطر الشاب للنزوح من مخيم النصيرات للاجئين بعد تدمير منزله، إلى خيمةٍ في مدينة دير البلح، ومنذ ذلك الحين يعيش واقعًا مترديًا. يخبرنا: "حتى لو توفر ثمن الأضحية، فإن الحياة صعبة جدًا، والوضع لا يحتمل أن نشتري أضحية ونحن لا نعلم متى ستتوقف الحرب. حتى توفير الاحتياجات الأساسية اليومية صعب للغاية، بسبب ارتفاع الأسعار الجنوني، وتوقف المساعدات بسبب إغلاق المعابر".
ويمنع الاحتلال منذ اندلاع الحرب توريد المواشي للقطاع، الأمر الذي تسبب في اختفاء اللحوم البيضاء والحمراء من الأسواق، فضلًا عن عدم توفر الأضاحي في المزارع.
ويصف تاجر المواشي سامح عبد الجواد موسم الأضاحي هذا العام بـ "السيء جداً"، ويقول لـ "نوى"، وقد بدت مزرعته شبه فارغة: "غالبية المزارع في قطاع غزة فارغة تمامًا، ولا يتوفر بها أي نوع من المواشي، بسبب تداعيات الحرب والحصار لشهور طويلة، وقد تعمقت المأساة إثر اقتحام معبر رفح البري مع مصر واحتلاله، وإحكام إغلاق معبر كرم أبو سالم التجاري، مع بدء العملية العسكرية الإسرائيلية البرية على مدينة رفح الشهر الماضي".
وقد انعكس منع الاحتلال توريد الأعلاف لقطاع غزة سوى مرة أو مرتين طوال شهور الحرب على تربية المواشي -يضيف عبد الجواد- وحاولنا إيجاد أعلاف بديلة كالحشائش والخبز الناشف والبقوليات، لكنها ليست بجود الإعلاف المستوردة وتؤثر في وزن الماشية وجودة اللحم، ناهيكم عن حجم الدمار الذي لحق بمزارع الماشية في القطاع جراء القصف والتدمير، وفقًا للتاجر عبد الجواد.
ونتيجةً لذلك، لا تتوفر حاليًا في قطاع غزة سوى أعداد قليلة من الأغنام في بعض المزارع، وأسعارها أضعاف مضاعفة عن الأعوام السابقة، وهو ما أدى إلى غيابٍ شبه تام للمضحّين، حتى تكاد تكون نسبة الباحثين عن أضحية "صفر".
ويدلل عبد الجواد على ذلك بأنهم كتجار في مثل هذه الأيام سنويًا، يعملون على مدار الساعة، ولا يكادون ينامون من ازدحام المضحّين وتوافدهم على المزارع لشراء الأضاحي، "أما هذا العيد في ظل الحرب، فلا أحد يسأل عن أضحية، خاصة وأن الأبقار والعجول مفقودة من الأسواق، وغالبية المضحين يفضلونها للحصول على كمية لحم كبيرة تفي بحاجتهم الشخصية وللتوزيع على الأقارب والأصدقاء" يستدرك.
