دير البلح.. "غرقى" على شاطئ النزوح!
تاريخ النشر : 2024-06-05 17:31

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

نهضَت تحاول نفض ثيابها من الرمل الذي علق بملابسها المبللة، ثم أجهشت بالبكاء أشبه بطفلٍ أضاع أمه في زحمة المدينة. لقد نجت للتوّ من الموت غرقًا في بحر دير البلح وسط قطاع غزة.

بدأت الحكاية، عندما توجهت الثلاثينية (هــ.ع) إلى الشاطئ، تحمل معها بعض أواني المطبخ التي أكلت قاعها نار الحطب، وبعض الأطباق المتسخة، من أجل تنظيفها بماء البحر، رغم ملوحة المياه، وتنافرها مع سائل التنظيف.

أمام عدم وجود البدائل، والحصار المطبق على عنق القطاع، ماء البحر خيارٌ جيد، ولهذا قررت السيدة بعد أن انتهت من العمل، أن تأخذ حمامًا بملابسها، ولا تتكلف بذلك عناء جلب الماء إلى الخيمة، في ظل الحر الشديد.

كانت مطمئنةً تمامًا، فعائلتها اتخذت من الشاطئ مأوى، ونصبت خيمتها هناك -بالقرب منها- في متسعٍ للحياة، بعيدًا عن ازدحام النازحين من شتى مدن ومحافظات القطاع.

مضت السيدة، بين الأمواج الخفيفة، وكان هدفها أن يغطي الماء جسدها حتى عنقها، لكن ما لم تحسب له حسابًا هو أن لا تستطيع العودة. فجأةً فقدت توازنها، ولم تعد قادرةً على الحركة بعدما جرفتها التربة أسفل قدميها إلى الأمام، بينما شعرت بأن أطرافها شُلت فجأة.

ولولا أن صيادًا، يُدعى جهاد مطر (22 عامًا)، وقد عمل منقذًا عدة سنوات، كان يمرُّ بالقرب من المكان، وسمع صراخها الخافت، لغرقت لا محالة.

يقول لـ"نوى": "كان المشهد صعبًا، فالمكان الذي سبَحَت فيه كان منطقة صخرية، وغالبًا وبسبب التغيرات المناخية المتكررة، تتكون حفر عميقة أسفل هذه الصخور، ويصبح من الصعب الإفلات منها".

(ه.ع) وغيرها، من مواطني/ات قطاع غزة، الذين قدموا إلى دير البلح، وسط القطاع، هربًا من العمليات العسكرية البرية، وصواريخ الاحتلال المباغتة، تعرضوا لحوادث غرقٍ كثيرة، لا سيما بعدما أعلن الصيف حضوره في أقسى صورة، وهم في الخيام، يعانون الأمراض الجلدية، والتسلخات والحكة، بسبب قلة المياه، وانعدام سبل النظافة.

"هذا دفع بالكثيرين نحو ماء البحر. رغم خطورة الأوضاع، يخوضون عباب الموج ليخففوا عن قلوبهم معاناة الخيام، وفي هذه الحالة لا مجال لأن يحكم الآباء أطفالهم، فالهموم كثيرة، والمسؤوليات متراكمة" يقول المنقذ جهاد لـ"نوى".

خطرٌ كبيرٌ يواجه النازحين قرب الشاطئ، فإن لم يكن القصف، فالغرق! وحتى اللحظة، لم يتم تبليغ المنقذين للبدء بمهامهم في دير البلح -وفق مطر- رغم الكثافة السكانية العالية فيها بعد اجتياح رفح جنوب القطاع، "ولذلك أتوجه، ومعي بعض المنقذين بشكلٍ طوعي، نراقب الشاطئ، ونسعى لإنقاذ من يمكننا إنقاذه من المواطنين والنازحين" يضيف.

ويتابع: "الشاطئ مزدحم جدًا، وكل يوم لدينا حالات غرق، وغالبيتهم لا يعرفون مواعيد السباحة السليمة"، موضحًا أن هناك أوقات في اليوم تكون فيها أمواج البحر عالية، والدوامات على الشاطئ، فتسحب الشخص الى داخل البحر دون أن يشعر.

ويكمل: "ذات يوم اجتمعت عائلة نازحة عند الشاطئ، وقرروا النزول للسباحة. وقتها طلبت منهم العودة لأن المنطقة خطرة ومنخفضة، لكنهم أخبروني بأنهم سباحون مهرة. هنا لففت وجهي وانتبهت لغيرهم".

ما هي إلا دقائق -والحديث لجهاد- حتى سمعتُ صراخهم. غالبيتهم تعرضوا للغرق، فما كان مني أنا وزميلي سوى أن سبحنا نحوهم، وبدأنا في إخراجهم واحدًا تلو الآخر وهم في حالة إعياء. "ويا للأسف، تسببت تلك الحادثة لي بالأذى الشخصي، فالمنطقة كانت خطرة جدًا، وقد شربتُ الكثير من ماء البحر من أجل إنقاذهم" يردف، معبرًا عن أسفه من الواقع الذي يعيشه سكان القطاع هذا الصيف، "حيث حرموا من البحر كوسيلة ترفيه وتفريغ، وصار الشاطئ مسكنهم رغمًا عنهم، وماؤه من أساسيات الصمود والبقاء" يختم.