غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"قبل نحو شهر عندما عدنا إلى خان يونس كانت مخيفة وكأنها مدينة أشباح تخلو من أي مظاهر للحياة"، تقول أم يزن العراوي وهي تتجول في محيط مجمع ناصر الطبي، وسط زحمة المارة والبسطات والباعة الجوّالين.
أنهكت الإقامة في خيمة أم يزن وأسرتها (6 أفراد)، فلم تتردد بالعودة إلى منزلها بالقرب من "عمارة جاسر"، التي كانت واحدة من أكثر المناطق التي تعرضت للتدمير على مدار 4 شهور من العملية العسكرية البرية، واجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي لمدينة خان يونس، وهي الثانية من حيث المساحة وعدد السكان في قطاع غزة بعد مدينة غزة.
كانت صدمة أم يزن كبيرة بالدمار الهائل الذي نال من كل شيء، تقول لـ "نوى": "بدت المدينة وكأنها تعرضت لزلزالٍ دمّر شوارعها ومنازلها ومدارسها. صار كل شيءٍ مختلفًا، حتى أنني للوهلة الأولى لم أعرف المدخل المؤدّي إلى منزلنا".
ورغم وصف أم يزن للحياة في خان يونس بأنها "صعبة ومخيفة"، لم تتردد بالعودة مع زوجها وأطفالهما الأربعة، بعد تجربةٍ قاسية لنحو شهرين في خيمةٍ بمنطقة المواصي. تقول: "كانت الأسوأ في حياتي، حيث الافتقار للخصوصية وانتشار الأمراض، وارتفاع منسوب الشعور بالقهر في كل لحظة".
وزادت الحياة في منطقة المواصي بؤسًا مع نزوح مئات الآلاف إليها، إذ لم يعد فيها مترًا واحدًا فارغًا، وقد انتشرت الخيام في كل زاوية على وقع العملية العسكرية الإسرائيلية البرية في مدينة رفح، التي بدأت في الأسبوع الأول من الشهر الماضي.
وجدت أم يزن شقتها في شارع البحر، المؤدي إلى مجمع ناصر الطبي مدمرة، وتخبرنا: "كان مشهد البناية صادمًا، ووقفت لبعض الوقت دون حراك تحت تأثير الصدمة، هل هذا هو منزلنا؟ الدمار كان يلف المكان، وأينما وقع بصرك توجد تلال من الركام، وأنقاض منازل مدمرة، وقد طال الدمار بنايتنا، لكننا أفضل من غيرنا بكثير، فلا يزال لدينا منزل نعود إليه".
كل ذلك قبل أن تخترق الجدران المتساقطة وتدوس على الحجارة المتناثرة وبقايا الأبواب والنوافذ المحطمة، وتصعد السلم بصعوبة إلى شقتها في الطابق الثالث. تصف أم يزن هذا المسار الصعب بأنه يشبه الدخول إلى "مغارة مظلمة ومخيفة".
رغم الدمار والخراب لم تتردد أم يزن بقرار العودة لشقتها. تقول: "بيتي هو وطني ومملكتي".
كان جنود الاحتلال قد اتخذوا من هذه البناية كما بنايات كثيرة غيرها "ثكنة عسكرية"، وقد عاثوا فيها فسادًا وتدميرًا، وتركوا وراءهم كلمات وعبارات ورسومات على الجدران تدل على إجرامهم وعنصريتهم.
ورغم كل هذا الدمار والخراب لم تتردد أم يزن بقرار العودة لشقتها، وتضيف: "بيتي هو وطني ومملكتي".
لعدة لأيام تشاركت هذه الأم الأربعينية مع زوجها وأطفالها تنظيف الشقة وتأهيلها للسكن، وتشعر بالفخر وهي تنظر لعودتها المبكرة للحارة قبل غالبية سكانها، الذين يتزايدون يومًا بعد يوم، ويعودون إلى منازلهم المدمرة يستصلحون فيها غرفة أو أكثر، رغم حجم الدمار الهائل في المدينة، الذي طال كل مناحي الحياة والمرافق الأساسية.
وتشير تقديرات دولية ومحلية إلى أن مدينة رفح التي كانت تؤوي زهاء مليونًا و400 ألف نسمة، غالبيتهم من النازحين، أصبحت خاوية على عروشها مع النزوح الواسع منها بفعل العملية العسكرية الإسرائيلية البرية، حيث لجأ الغالبية إلى خيام في منطقة المواصي الساحلية الممتدة من رفح لدير البلح وسط القطاع، بينما عاد سكان خان يونس إليها ولو على أنقاض منازلهم المدمرة.
بسبب التدمير الهائل للبنية التحتية لا تتوفر بخان يونس شبكات مياه، وصرف صحي، ويعاني السكان من تردي خدمات الاتصالات والإنترنت.
وخلال الأسابيع الأولى من العودة إلى المدينة، كابد أبو يزن توفير مستلزمات أسرته اليومية من الطعام والشراب، وكان يضطر إلى قطع مسافات بعيدة من أجل شراء ما يتوفر من خضار، وجلب كمية من المياه العذبة للشرب، والمياه المالحة للنظافة والاستخدامات المنزلية الأخرى.
وقد تخلّص أبو يزن إلى حدٍ ما من هذه المعاناة مع انتشار "بسطات" بيع الخضار، وتوفُّر محطّة متنقلة قريبة لبيع المياه العذبة والمالحة، غير أن هذا الموظف الحكومي يشكو من ارتفاع الأسعار، وأزمة عدم توفر السيولة.
وبسبب التدمير الهائل للبنية التحتية لا تتوفر بمدينة خان يونس شبكات مياه، وصرف صحي، ويعاني السكان من تردي خدمات الاتصالات والإنترنت، وجرّاء ذلك يضطرون إلى بدائل كلفتها المالية باهظة من أجل تدبر شؤونهم اليومية.
وللتغلب على تكاليف الحياة المرتفعة، افتتح عمر المصري فرنًا بدائيًا يعد عليه الخبز للجيران مقابل أجر زهيد. يشرح لـ "نوى" أن ما يتحصل عليه من مال يساعده في توفير الاحتياجات الأساسية لأسرته المكونة من 10 أفراد، ويقيمونفي بيت زوج شقيقته بعدما وجدوا منزلهم مدمرًا في منطقة "جورة العقاد" بالمدينة.
ويتوافد الزبائن من الحارة والمناطق المجاورة على هذا الفرن لإعداد الخبز، في ظل أزمة خانقة في الوقود وغاز الطهي، وقد زادت حدتها مع اقتحام معبر رفح البري واحتلاله، فيما يستخدم عمر أخشابًا خلّفها تدمير قوات الاحتلال للأبواب وأثاث المنازل، لاستخدامها كوقود لنيران الفرن.
وكثيرون من أمثال عمر، وجدوا في جانبٍ من الأزمات مصدر رزق لهم، وقد ضجّت شوارع مدينة خان يونس ببسطات بيع الخضار والفواكه، والمستلزمات المنزلية الأخرى، ونقاط شحن الهواتف النقالة والبطاريات التي تستخدم للإضاءة في ظل انقطاع الكهرباء منذ اندلاع الحرب، فضلًا عن انتشار ظاهرة التجارة بالمياه العذبة والمالحة، التي يجلبها تجار بواسطة سيارات تعمل على زيت الطهي، أو عربات كارو تجرُّها الحيوانات من أماكن بعيدة.
