زنزانةٌ من الحصى.. طفلٌ وضابط ورائحة دم!
تاريخ النشر : 2024-06-01 13:32

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

ليست سيرة الموت وحدها في غزة التي تعصر قلبك. قصصٌ شتّى لفلسطينيين ما زالوا يتنفّسون بيننا، لكنهم عاشوا الموت أصنافًا شتّى، تطعن قلبك وتمزقه. أقربها حكاية خالد جنيد. الطفل الذي اعتُقل مطلع العام عاريًا، من بيته في جباليا شمالي القطاع، وأُفرج عنه جنوبًا وحده! يبكي والده الشهيد، وبُعد أمه، وأيامًا من القهر عاشها أسيرًا، في مكانٍ لا أحد يعرفه فيه، ولا هو يعرف أحدًا!

بدأت الحكاية في الأول من يناير/ كانون الثاني الماضي، عندما نادى جنود الاحتلال على كل من يتواجد في منزل عائلة جنيد، بجباليا البلد، شمالي قطاع غزة، عبر مكبّرات الصوت، للخروج فورًا.

كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل. "الجو في الخارج شديد البرودة، والكل خائف" يحكي خالد، ويكمل: "وسط بكاء الأطفال خرج الجميع. أذكُر وجه أمي ساعتها، كان شاحبًا خائفًا، وكانت تنظر إليّ وإلى إخوتي الشبان وتقول: يا ريت أبوكم معنا. الله يحميكم يما".

خالد جنيدفي تلك اللحظة نادوا اسم خالد! انفعلت أمه على الجندي وهي تحاول إخباره بأنه طفل. "عمره فقط 14 سنة" صرخت وسحبته نحوها، لكن الجندي لم يلتفت. دفعها بعيدًا، وأخذه ومضى.

حتى الرابعة فجرًا، بقي خالد وأخوته وعدد آخر من شبان المنطقة ورجالها وحتى المسنين فيها في العراء عرايا! وسط صقيع يناير ووحشته. يقول خالد: "في تلك الساعة جاء جنود، وقادونا نحو سجن البركسات ببئر السبع جنوبي فلسطين المحتلة".

مرَّ النهار مسرعًا دون طعامٍ ولا وجهة. كل من اعتقل في تلك الليلة محشور في زنانين ضيقة، لا أحد يعلم ماذا سيكون مصيره. يتابع خالد: "ناداني الضابط. اقتربتُ منه فضربني، وقال لي: هيا إلى التحقيق. جفّ الدم في عروقي، لكنني ذهبتُ معه، فوجدتُ نفسي بعد بضع لحظات في غرفة (متر بمتر)، أرضيتها من الحصى المدبب والمسامير".

طلب منه الضابط أن ينام على الأرض، ثم بدأ بصب الأسئلة عليه. "اسمك، عمرك، من تعرف من حماس في منطقتك؟ أين تخبئون الأسرى؟ من تعرف من الذين شاركوا في أحداث السابع من أكتوبر؟"، وأسئلة أخرى كثيرة، كانت إجاباتها "لا أعرف". كُلها كان يُضرب بعدها.

مرةً يضغط الضابط ببسطاره على صدره، ومرةً يلكمه في رأسه ووجهه، ومرةً يطفئ سجائره في ساقيه وأذنيه، ومرةً يرشه بالكلور الساخن!

لم يلتفت الضابط إلى عمره عندما أخبره به، لم يلتفت إلى أنه لا يعرف في شارعه شيئًا سوى البقّال الذي يشتري لأمه منه حاجيات البيت، وأبناء جيرانه الذين يلعبون معه الكرة. كان يضربه بقسوةٍ بعد كل مرةٍ يجيب بها بـ"بعرفش اشي"، مرةً يضغط ببسطاره على صدره لتؤذيه الحجارة المدببة أسفل منه، ومرةً يلكمه في رأسه، ووجهه، ومرةً يطفئ سجائره في ساقيه وأذنيه، ومرةً يرشه بالكلور الساخن!

أربعة أيامٍ مرت وخالد على نفس الحال في غرفة التحقيق. كان لا يسمع سوى صوت الضابط اللئيم، ولا يشمُّ إلا رائحة دمه. يبكي ويتذكر وجه أمه، ويتمنى لو تكون في هذه اللحظة معه، تعانق خوفه وتضمّد أوجاعه بدعائها. يقول: "كان يشتمني بأبشع الألفاظ. يشتم أمي وأبي الشهيد، ويقول لي: إنت كذاب. إنت إرهابي. إنتو لازم تموتو، كلكم لازم تموتو".

أربعة أيامٍ لم يستفد منه الضابط بشيء، فضربه حتى فقد الوعي. أسبوعٌ كاملٌ استفاق بعده خالد في سجن النقب، ومن حوله الأسرى يتحلّقون. طمأنوه، وطلبوا منه أن لا يخاف، وأخبروه بأنهم مثله أسرى. طبطبوا على وجعه بما استطاعوا من إمكانيات.

كان كلما تذكر وجه الضابط الذي كان يبصق عليه، بكى، وشعر بالنار تفور في جسده المُنهك. "نحن لسنا أهل ذل، كيف يريدوننا أن نسامح؟" يتساءل.

يصحو خالد اليوم، نازحًا وحيدًا، يبكي كلما تذكر أمه، لكنه يمسح دموعه على الفور لئلا يراها أحد،" لقد أصبح رجلًا" فما مرّ به لا يمرُّ به طفل!

لم يكن خالد يعلم شيئًا عن حال إخوته الذين اعتقلوا معه. حتى المكان الذي يقبع فيه وحده، لا يعرف أين اتجاهه في الخريطة، وما الطريق إلى غزة منه؟ ولا إلى أين سيؤول به الحال بعد.

يزيد: "في الرابع والعشرين من يناير، ناداني ضابط وأخبرني بأنهم سيفرجون عني صبيحة اليوم التالي. هنا أخذت نفسًا عميقًا، وشعرتُ بنفسي وقد كبرت 24 سنة! لم أعد خالد الذي يشتهي رؤية ابن جيرانه ليلعب معه الكرة، ولا ذلك الطفل الذي ينتظر من أمه حلوى تصنعها من أجله. كنتُ أهيئ نفسي إلى أن هذا الإفراج سيكون له ما بعده، وأن الاحتلال لن يجعلني أهنأ وإن أخرجني من السجن".

خرج خالد وحده، بدون إخوته، ووجد نفسه جنوبي قطاع غزة، لا يستطيع إلى الشمال وصولًا! بالكاد تمكّن من التواصل مع عائلته. اطمأن قلبه أمه، لكنها كانت مشتاقةً لعناقه فبكت. بكت كثيرًا.

يصحو خالد اليوم، نازحًا وحيدًا، يتنقل بين خيام أناسٍ يعرفون أهله استضافوه إلى حين ميسرة. يبكي كلما تذكر أمه، لكنه يمسح دموعه على الفور لئلا يراها أحد، لقد أصبح رجلًا -يقول- فما مرّ به لا يمكن أن يمرَّ به طفل. أصبح رجلًا لا يخاف الموت لأنه رآه بعينه، في دم والده الشهيد، وفي البعد عن حضن أمه، وفي صفعات الضابط داخل غرفة التحقيق. إنه فقط يشتاق إلى وجه أمه. وجه أمه فقط.