غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"لا يرتاح الإنسان في غير منزله، حتى وإن كان مدمرًا" قالتها أم نائل الكحلوت، وابتسمت، ثم أكملت بعد لحظة صمت: "لا أستطيع أن أهجره، إن فكرت بذلك أشعر أن حجارته تلومني. أضع فراشي فوق الركام وأتخيّل حياتي فيه قبل الحرب، فأغفو".
لا تقل مكانة المنازل لدى الفلسطينيين عن كونها أوطانًا لهم. تحديدًا في فلسطين، التي يسلب فيها الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948 استقرار الإنسان، في مدينته وقريته وحتى خيمته التي بناها بعد هجرة. يفتتها بالقصف والتجريف، والتدمير، يحاول قتل أصحابها أحياء ليهجر البلاد من تبقّى. لكن هل يترك أصحاب الحق حقهم؟
تجيب أم نائل التي تسكن شمالي قطاع غزة عن السؤال بتساؤلاتٍ أخرى: "لماذا لا نعيش فوق الركام؟! وهل يؤوي الإنسان غير منزله؟! أين سأذهب إن تركته؟".
وتضيف: "أشعر أن العيش فوق ركام منزلي صار لزامًا علي، فيه راحتي، والبعد عنه يقتلني أكثر من استهدافه. حتى ركامه مريح بالنسبة لي، أنام وأتخيل أنه كما بنيناه، مريح ودافئ". لكنها في لحظة إدراك تنظر حولها فترى القماش أضحى ساترًا لها بدلًا من الجدران، والرمل أرضية بدلًا من البلاط الذي يكسوه السجاد والأفرشة".
في المنزل المقصوف هذا، ذكريات ابنها الشهيد وملاذها الأخير للعيش، فهو الذي بُني طوبة طوبة بعرق جبينها وزوجها الذي آثر البقاء فيه حتى وصلتهم القذائف بداخله. استدركت: "فقط في هذه اللحظة أُجبرنا على النزوح، وقلوبنا محطمة، كانت فقط محاولةٌ للبحث عن النجاة، ثم عدنا".
يحاول الأب البحث بين الركام عن أي قطعة ملابس تخص ابنه "فيها ريحته"، "لكن الصاروخ أحرق كل شيء.. كل رائحةٍ وذكرى".
وعن استشهاد ابنها تخبرنا: "اضطررنا للجوء إلى المستشفى كمركز إيواء، ظنًا منّا أنه مكان آمن، لكن الاحتلال بطبعه كسر كل المبادئ التي تدعي ذلك، إذ ضرب قذيفة مدفعية مباشرة استهدفت أحد الممرات فيها، وكان هناك ابني، ولسوء أوضاع الخدمات الطبية تحت هذه الظروف، واعتقال الكثير من أطباء المشفى، استشهد".
يحاول الأب واسمه إسماعيل الكحلوت، البحث بين الركام عن أي قطعة ملابس تخص ابنه "فيها ريحته"، لكنها كلها احترقت بفعل القصف. ليس الملابس وحدها، بل معمل التصوير الذي كان مصدر رزق العائلة في الطابق الأرضي، أيضًا احترق بالكامل.
يقول: "لم تترك دولة الاحتلال لنا شيئًا سوى كوم الحجارة التي ربما لم يعرفوا كيف يخفونها، دمّروا المنزل والأثاث والملابس والمعمل، وأحرقوا الكاميرات وكل الذكريات".
ويزيد: "ثلاثون عامًا من الجد والكد طارت في لحظة إسقاط الصواريخ عليه. صار وضعي تحت الصفر وأنا الذي عملت ليل نهار من أجل بنائه".
يرى الرجل في بيته مراحل شبابه، منذ أنجب أطفاله حتى كبروا فيه، فكبر المنزل معهم. منذ خطّ أول ابن له أول حرف حين التحق بالروضة وصولًا إلى إنهاء الجامعة والزواج والإنجاب، ليصبح جدًا يدور حوله مجموعة صغار ينادونه "جدّي"!
"جربنا كل المطارح.. هربنا إلى المدارس والمستشفيات ومنازل الأقارب، ونمنا في الشوارع، وكُلها قُصِفت، أصابتنا الأمراض وغزا الشيب شعر رؤوسنا. هو ليس شيب الكبر، بل شيب الآلام التي عشتُها وأبكيها يوميًا، وأمام هذا كله، أفضّل البقاء هنا، على ركام المنزل المدمّر" يختم.
