"غزة".. وداعٌ على سبيل "الطمأنينة"!
تاريخ النشر : 2024-05-07 19:37

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

طالت ليالي الحرب، سبعة أشهرٍ كابدت فيها العائلات هم النزوح من مكانٍ لآخر. الأمكنة كلها لم تعد آمنة، لا مكان للنوم، ولا مياه تصلح للشرب، وفوق هذا كله بيئة ملوثة سمحت بانتشار الأوبئة، "لا أحد يتمنى ترك وطنه، لكن في ظل الموت المحيط بنا من كل جانب، كيف لا نبحث عن سبلٍ لإبعاد أبنائنا عن جحيم الإبادة بغزة؟" تتساءل فايزة الجوجو بقهر.

في غزة تراكمت الأوجاع، وجع الفقد، ووجع الجوع، ووجع النزوح والبحث الدائم عن مكانٍ جديدٍ يظنه الآباء أكثر أمنًا، ولا يكون! في غزة انتهى المشهد إلى صورةٍ من التشرذم الاجتماعي، والحياة المفروضة على ركام شقاء العمر وتعب السنين، أو حياةٍ تتفتت فيها العائلات بين غزة ومصر ودولٍ أخرى، رغم ارتفاع التكلفة، إلى حين فرجٍ يطرق أبواب البلاد.

مشاهد مؤلمة "للوداع" انتشرت، قبل بدء العملية العسكرية الإسرائيلية شرقي رفح، لأمهاتٍ وآباء أفلتوا أيادي أطفالهم عند بوابة معبر رفح البري، ولوحوا لهم بدموعهم أن "سنلتقي قريبًا.. إن كُتبت لنا النجاة". هؤلاء أصحاب مهنٍ ذروة عملهم في الحرب، كالمؤسسات الإغاثية والإعلامية والإنسانية، والجوجو واحدةٌ منهم.

تعمل الجوجو في مؤسسة إغاثية، لكنها أمٌ لطفلين، وأرملة زوجٍ كان مريضًا وتوفي خلال الحرب بسبب شح الأدوية والعلاج في قطاع غزة، في لحظةٍ تقلّص فيها عدد مرّات غسيل الكلى.

بعد أن فقدت فايزة زوجها، سكنها الخوف من فقدان أبنائها، بل وتمزقت عشرات المرات وهي تسعى لتوفير الطعام، والمنامة، والمبلس، ولم تستطع.

بعد أن فقدت فايزة زوجها، سكنها الخوف من فقدان أبنائها، بل وتمزقت عشرات المرات وهي تسعى لتوفير الطعام المناسب، ومكان النوم المناسب، والملبس المناسب، ولم تستطع. هكذا قررت إرسالهم إلى مصر برفقة جدتهم مع الكثير من الدعوات والدموع "ليكونوا في مأمن".

تقول: "كانت لحظة وداعنا موجعة، أصعب من الموت نفسه. كنتُ أكتم الغصة في قلبي حتى ودّعتُهم وابتعدَت السيارة ثم بكيت"، مردفةً بالقول: "حتى بعد أن عرفت أنهم أضحوا بخير، يأكلون بشكلٍ جيد، وينامون في مكانٍ آمنٍ ومريح، أسأل نفسي هل كان قراري صحيحًا بأن أظلّ أنا في غزة وأن أبعد أبنائي عني؟".

لم تختلف مشاعر الزميلة الصحافية نور السويركي كثيرًا. لقد أبعدت أبناءها عنها وتركتهم يسافرون مع أقاربهم إلى مصر خوفًا عليهم "ورحمةً بهم" حينما طالت أشهر العناء، لكن ألم البعد يشبه في قسوته الموت، وقد عبرت عنه نور قائلة: "مضى أسبوعان على مغادرة علياء وجمال قطاع غزة، لم يكن قرارًا سهلًا أن تتشتّتَ عائلتنا الصغيرة إلى هذا الحد، الطفلان في القاهرة والوالدين في خيام الصحافيين برفح".

وتضيف: "حتى اللحظة نمارس عملنا الإعلامي أنا وزوجي سالم، لكن بشعورٍ ثقيل في القلب بالوحدة والوحشة، وشعورٌ متناقضٌ بالراحة لأنهما بعيدان عن كل هذا الموت والقهر، ينامان في فراشٍ نظيف، ولديهما حمام يستحمان فيه بماء دافئ، ويستطيعان تناول طعامٍ مغذٍ وصحّي بعد أن فقدَا الكثير من الوزن. عن نفسي أبكي أحيانًا لأنني أفتقدهما بشدة".

لهذا الرحيل آثار وصفتها "أم خالد" بالسلبية، وقالت: "عندي شابين في الجامعة، كنتُ أظن أنهما لن يتأثرا برحيلنا دون والدهما، لكن ثبُت العكس. باتا يتعاملان بعصبيةٍ مُفرطة، وعلى الدوام يتابعان الأخبار خشية أن يكون القصف قريبًا من المكان الذي يعمل فيه"، معلقةً بالقول: "إنه الانتظار، وانتظار أي خبر عن توقف الحرب هو حرب أخرى".

يخاف طفلا أم خالد من النوم وحدهما، ويستيقظان مفزوعَين. الكوابيس تهاجمهما طوال ساعات النوم، ويذكران والدهما على مدار الساعة، ويطالبان بمجيئه.

ويعاني طفلان آخران لأم خالد مشاعر الخوف المفرطة، يخافان من النوم وحدهما، ويستيقظان مفزوعين. الكوابيس تهاجمهما طوال ساعات النوم، ويذكران والدهما على مدار الساعة، ويطالبان بمجيئه إلى حيث تسكن العائلة اليوم في مصر. تزيد: "إنهما يعلمان أن جزءًا منهما ما زال يعيش في منطقة الخطر".

يقول الزوج الذي أصرَّ على سفر زوجته وأطفاله: "ليس الخوف على حياتهم الذي دفعني إلى هذه الخطوة، فالأعمار بيد الله هنا أو في مصر أو في أي دولةٍ أخرى، ولكنه الأسى الذي أنتجته الحرب، الترحال والجوع والتعب. لقد مر أطفالي بأيام صعبة، لم نكن نستطيع خلالها توفير المأكل حتى، وهذا أكثر من يمكن أن يؤلمني كأب".

وتخبرنا المعالجة النفسية علا الدويك، أن هذه الحرب، طالت الجميع بأذاها الجسدي والنفسي أيضًا، ومعظم العائلات عانت من التشرد التنقل والحرمان والجوع والبعد عن الأحبة، سواء من خلال فصل الشمال عن الجنوب، أو بسفر الكثير من العائلات وبعدهم عن حياتهم وأقاربهم في غزة على الأقل إلى حين انتهاء الحرب.

وتقول: "غياب الآباء في الوضع الطبيعي يؤثر على رفاهية الطفل وصحته النفسية، فما بالكم ونحن نتحدث عن بعدٍ في الحرب! هناك خوف وترقب وانتظار، وأي سفر أو بعد قسري لن يكون سياحيًا، بل مخلوطًا بمشاعر الرعب والرغبة في سرعة الهرب".

رحيل الأطفال بدون والديهم -وفقًا لها- يخلق مشاعر مضطربة، قد تؤدي لنشأة شخصية عدوانية وعنيدة، نتيجة عدم الشعور بالأمان الكامل، "فقد نجد أطفالًا تركوا آباءهم في غزة يبكون ويصرخون بإفراط نتيجة غياب القيادة الأبوية، المرتبطة بالدرجة الأولى بالاستقرار الأسري، والمنزل والمدرسة وذلك العالك القديم الذي فتح الطفل عينيه عليه، وبات يعي أنه فقده".

وتزيد: "استمرار الحرب هو المؤثر الأكبر، فالأطفال الذين تركوا غزة، وسافروا بدون آبائهم، يعلمون أنهم لا يزالون في منطقة الخطر، ولذلك تتفاقم لديهم مشاعر القلق والانتظار والترقب والخوف".

ويقع على عاتق مرافق الطفل، سواء أمه، أو جدّته، أو عمه، او أي شخص بالغ، المسؤولية الكبرى للتعامل مع الطفل (والحديث لعلا)، فالأبناء فوق ست سنوات يفهمون ما يجري، ويمكن بالنقاش والحوار التقليل من خطورة ما يحدث معهم من تغيرات نفسية، مضيفةً: "أما الطفل الأصغر من 6، فيحتاج للملامسة والاحتضان واللعب أكثر، والشعور بأن هناك بهجة عامة داخل المنزل وبأنه فعلًا سيشعر بالأمان، وأن كل ما يمر به وطنه وأصدقاءه وأحبابه وأقاربه بغزة سينتهي قريبًا، بالإضافة لقراءة القصص، وعدم إظهار الخوف أمامه أو الوصول لمرحلة الانهيار حتى لا تتفاقم حالته النفسية ويصعب فيما بعد علاجها".