غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"في تلك اللحظة تحديدًا لعنتُ إسرائيل مئة مرة، ولعنتُ معها كل من سكَتْ" قالتها سهيلة خضر، وبكت. لقد أصيب ابنها بمرض الكبد الوبائي، فصارت كمن يقف على حافة موتين: موتٌ بالقصف، وموتٌ بالمرض.
ويعرف التهاب الكبد الوبائي (A) بأنه إصابة شديدة العدوى تنجم عن فايروس (HAV)، الذي ينتشر عند تناول طعامٍ أو شرابٍ ملوثٍ بالبراز الموبوء.
"نعم كان هذا تمامًا تشخيص الأطباء، الذين حذّروني من إمكانية نقل العدوى لمن يشاركونه الحياة في نفس المكان" تضيف سهيلة.
حالةٌ من الهلع تسببت بها الإصابة بين النازحين في البيت من أقارب الطفل. حوالي 30 فردًا في منزلٍ لا تتجاوز مساحته 180 مترًا. يستخدمون الحمّام ذاته، وكلهم لا بديل أمامهم! كلهم أصبحوا نازحين إلى المجهول بعدما هدم القصف بيوتهم وحياتهم التي بنوها بتعب السنين.
تخبرنا سهيلة التي نزحت إلى منزل أقاربها في حي "تل السلطان" الواقع غربي مدينة رفح: "بعدما انتشر الحديث عن المرض، وارتفاع أعداد المصابين به في المناطق الجنوبية، توقعت أن يصاب أحد أبنائي الستة. لكن ما لم أتخيله أن أكون شديدة الحساسية تجاه تعامل المحيطين به مع الأمر".
وتزيد: "ما يؤلمني عجزي عن توفير العلاج اللازم له؛ لاكتظاظ الجرحى بالمستشفيات. وأمام هذا كله، لا مكان خاص يمكنني أن أعزله فيه".
يبكي قلب سهيلة قهرًا، عندما ترى تصرف الأمهات معها في نفس البيت عندما يقترب أطفالهن من طفلها. تعلق: "ليتني أستطيع أن أخبئ أطفالي بعيدًا عن الحرب، وبعيدًا عن كل الأمراض".
إذا كان الحال صعبًا هكذا بالنسبة لسهيلة التي تسكن في منزل، "فكيف يكون حال العائلات التي تتشارك الخيام، والحمامات الخارجية أيضًا؟" تتساءل الناشطة هبة الفرا بقهر.
هبة بالأساس مصابة بمرض جلدي اسمه البهاق، تزيد درجته -حسب قولها- مع تعرضها لأشعة الشمس الحارقة والظروف غير الآدمية في الخيام، لكن الوضع أصبح أكثر سوءًا مع إصابتها بالكبد الوبائي.
تقول: "لست خائفة على نفسي بقدر ما أخاف على أربعة أيتام من أبناء أشقائي وشقيقاتي الذين فقدوا والديهم في قصفٍ إسرائيلي استهدف خيمتهم في منطقة المواصي بمدينة خانيونس".
فقدت هبة والدها وشقيقها وابن شقيقتها، وأربع شقيقات أخريات، بالإضافة إلى زوجة شقيقها، ليبقى من العائلة اليوم تسعة من أصل 15 فردًا.
تضيف هبة: "أنا جريحة، أصبت برصاصة في ذراعي واستقرت بظهري، لا أجد لي علاجًا في المشافي في ظل هذه الظروف، ولا أقوى على شراء العلاج، فكيف الحال مع إصابتي بالكبد الوبائي؟".
ومع تفاقم الوضع الصحي لها، تزيد: "أستخدم الحمام بحذر، وأمنع نفسي من دخوله لفترات طويلة، كي لا أنقل العدوى للناجين من عائلتي".
في الخيمة، لا تجد هبة مكانًا للنوم براحة، ولا طعامًا صحيًا، ولا مياه نظيفة للشرب، بل تحاول التعايش مع المتوفر لأنها مرغمة، ولا خيارات أخرى أمامها اليوم.
كل ما تخشاه هبة أن يقضي المرض على من تبقى من أفراد عائلتها، خاصةً الأطفال الذين تفتتت مناعتهم الصحية، وحتى صحتهم النفسية بسبب كل ما عاشوه في هذه الحرب.
ضحيةٌ ثالثةٌ للمرض تتساءل: "كيف لفايروس صغير بهذا الحجم أن يرميني بالفراش هكذا؟".
يقول محمد عبيد: "هاجمني المرض منذ ثلاثة أسابيع. أسقطني أرضًا حتى صرتُ هزيلًا. أعاني آلامًا مستمرة في المعدة وارتفاعًا بدرجات الحرارة، غير التقيؤ والدوار والجفاف".
يظن محمد أنه لو لم تكن هناك حرب لما كان أصيب بالمرض، خاصةً وأنه الأكثر حرصًا على نفسه من الأمراض، والأكثر اهتمامًا بإجراءات الوقاية والنظافة الشخصية.
وكانت وزارة الصحة في قطاع غزة، أكدت انتشار التهاب الكبد الوبائي من نوع “A” نتيجة تكدس الناس في أماكن النزوح، وتدني مستويات النظافة في أماكن النزوح، محذّرة من توقّف الفحص المخبري للدم “CBC” جراء نقص المواد الخاصة به.
