غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يكن بالإمكان وصف فرحة الطفلة الفلسطينية لانا عابد آنذاك. قبل شهرٍ من بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بالتمام والكمال، رافقت لانا والدتها إلى إحدى المكتبات الكُبرى بمدينة غزة، واختارت معها بعنايةٍ أدوات القرطاسية استعدادًا لانطلاق عامٍ دراسيٍ جديد.
لانا (13 عامًا)، التي أرغمتها حرب الإبادة الإسرائيلية على النزوح قسرًا برفقة عائلتها من منزلهم غربي غزة إلى مدينة رفح جنوبًا، استذكرت بحرقةٍ تلك اللحظات، وذرفت دمعةً قبل أن تبدأ حديثها لـ"نوى".
قالت: "للأسف، فقدتُ كل شيء. القرطاسية، والزي الجميل، وحتى بعض معلماتي".
تحدثت الفتاة عن صديقات المدرسة الجديدات، اللاتي لم تكمل قصة صداقتهن شهرًا، إلا وكانت آلة الحرب الإسرائيلية لها بالمرصاد، وتساءلت: "ترى أين هم الآن؟ كيف أحوالهن؟ من استشهدت منهن ومن بقيت حية؟".
سمعت لانا في المذياع الصغير الذي نزح بين أغراض العائلة، أن المنطقة التي أُنشأت فيها مدرستها في حي النصر جُرّفت بالكامل، ولم يتبقَّ ما يدل على معالمها. تعقب: "اشتقت لتلك الحياة كثيرًا، الحصص المدرسية، والفسحة، والمقصف. اشتقت للمعلمات، ولكتبي ودفاتري. اشتقت لواجباتي المدرسية، وللامتحانات التي لم نكن نحبها أصلًا".
تخبرنا لانا أنها باتت تعاني من قلة التركيز، والخمول الدائم والكسل، وهذا يعيقها عن حل أي مسألةٍ رياضية مهما كانت بسيطة. تزيد: "تكتب لي أمي بعض المسائل خلف كرتونة الطرود الغذائية التي نستلمها، لكنني أسأل نفسي: ماذا سأستفيد الآن إن حللتها أو لا؟ أتركها وأمضي نحو ذكرياتي وأمنياتي بانتهاء الحرب في أقرب وقت".
الاحتلال الآن يمارس حرب تجهيل ضدنا، فلم نعد نفكر إلا بتجهيز حقيبة الإخلاء تحسبًا لنزوحٍ جديد".
وفق لانا، كانت عقول الطلبة في المدرسة "نشيطة" أكثر، فالمعلمون/ات كانوا يسألون أسئلة عشوائية، ويطلبون بحوثًا لا منهجية، ويباغتون الطلبة بامتحانات مفاجئة، "وهذا كان يجعل العقل متحفزًا للمعرفة على الدوام. لكن الآن الاحتلال يمارس حرب تجهيل ضدنا، فلم نعد نفكر إلا بتجهيز حقيبة الإخلاء تحسبًا لنزوحٍ جديد" تقول.
محمد صيام، المُدرِّس في مدرسة أسعد الصفطاوي شرقي قطاع غزة، قال لـ"نوى" بحسرة: "فقدتُ يومياتي اللطيفة مع الطلبة. فقدتُ الكثير من الأصدقاء والزملاء، وفقدت مصدر رزقي".
كان صيام يدرّس المواد الاجتماعية، ويقدّم كل ما يمكنه تقديمه للطلبة كي يتشرّبوا المادة، بالفهم لا بالتلقين على حد تعبيره، ويستدرك: "منذ بدء الحرب لم أتمكن من العمل بسبب تحويل جميع المرافق التعليمية لمراكز جماعية تؤوي آلاف النازحين".
ويتابع: "منذ ثمانية أشهر وأطفال غزة يعانون الأمرّين بدون علم ولا معلمين. لقد طال أمد الحرب، وأُحرقت الكتب والدفاتر لإشعال النار كبديلٍ للغاز. لا أريد أن أكون متشائمًا، لكن أظن أن إعادة تحفيز العقول لتلقي المعلومات من جديد بعد انتهاء الحرب، سيكون صعبًا جدًا".
وتحدثت آية الشرافي عن أن هذا العام، هو الأسوأ على الإطلاق في سنوات عمرها، فقد حصلت على معدل 97.9% العام الماضي (وكانت في الصف الثاني الثانوي)، وعقَدَت العزم على أن تكون من أوائل القطاع في الثانوية هذا العام، لتدرس في الجامعة تخصص الطب البشري.
تقول: "قتلوا فينا كل شيء. حتى أحلامنا، قتلوا معلمتي الحبيبة أريج الميدنة، التي تجمعني معها ذكريات كثيرة، ولا أعلم من سأفقد بعد. هذه الحرب لن تنتهي إلا وقد دمرت كل شيء".
آية: "لم أكن أتخيل في أبشع أحلامي أن يحدث هذا كله، أن أفقد عامًا دراسيًا كاملًا من سنوات عمري!".
مدرسة آية، هي مدرسة الموهوبين الموجودة غربي القطاع، وقد دمّرها الاحتلال بالكامل بعدما حولها لثكنة عسكري تضم عشرات الدبابات ومئات الجنود. تعلق: "لم أكن أتخيل في أبشع أحلامي أن يحدث هذا كله، أن أفقد عامًا دراسيًا كاملًا من سنوات عمري! للأسف تأذيت كثيرًا، فلمجرد الحديث عن نص تعليمي أو معلومة درسناها سابقًا، أشعر بالعجز عن الحل أو التفاعل، وذلك لأن عقلي في إجازة قسرية استمرت لفترة طويلة".
وتتابع آية (16 عامًا) بيأس: "لو انتهت الحرب وعدنا إلى مدينة غزة، فالفرحة ستكون منقوصة. لا بنية تحتية ولا بيوت ولا مدارس. المدارس هُدمت والأصدقاء تفرقوا، ومنهم من استُشهد"، مردفةً: "نحتاج لفترة طويلة جدًا كي نستعيد حيويتنا الأولى، ونتخلص من ضغوطنا السلبية، ونعود مجددًا لأحلامنا بالتفوق والنجاح".
انقضى ثُلثا العام الدراسي في قطاع غزة تحت نيران الحرب، وحُرم الطلاب من الذهاب إلى مدارسهم التي ضمتهم كنازحين! فيما تعرضت 111 مدرسة في القطاع لأضرار بالغة، إضافة إلى تدمير أكثر من 40 مدرسة بشكل كامل، فيما استُخدمت منها 133 مدرسة كمراكز إيواء.
وحسب إحصائيات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، فقد أسفرت المجازر الإسرائيلية عن استشهاد 296 معلمًا ومعلمة، و6237 طالبًا وطالبة، و59 طالبًا شهيدًا في الضفة الغربية، وإصابة 10300 طالب وطالبة، و973 معلمًا ومعلمة بجروح متفاوتة في قطاع غزة.
وتقول علياء أبو مريم، أخصائية علم النفس في جمعية "عائشة" لحماية المرأة والطفل: "خسر الطلبة عامًا دراسيًا من حياتهم العلمية، لم يتلقوا خلالها معلومة واحدة جديدة، وهذا يعني أن العقل أصبح راكدًا، وهذا أثّر على التركيز والإدراك والنمو العقلي والعاطفي للدماغ".
عام دراسيٌ كامل لم يتعلم خلاله الطفل، ولم يستغل عقله في التفكير في حل المسائل الرياضية أو حفظ الجمل، وبالتالي (والحديث لأبو مريم) فإنه لم يحقق أي إنجاز يُذكر إلى جانب غياب الأمن والأمان لمدة تزيد على سبعة أشهر، "هذا كله يؤثر على الحالة النفسية للطلبة، ويقلل من ثقتهم بأنفسهم"، مضيفة: "ناهيكم عن الطلبة الذين فقدوا آباءهم وأماتهم، وأصدقاءهم أيضًا، هؤلاء يحتاجون فترةً طويلةً من أجل التعافي".
وتطرقت إلى مأساة الجامعات، والطلبة الجامعيين، الذين حاولت وزارة التربية والتعليم إلحاقهم بزملائهم في الضفة الغربية، مستدركةً: "لكن للأسف هذا مستحيل بسبب انعدام الظروف المناسبة من اتصالات وإنترنت وأجهزة لاب توب في مخيمات الإيواء".
