غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"هذا ما كان ينقصنا" بهذه العبارة بدأت زينب أبو غوش حديثها لـ"نوى" عن حر الخيمة، وما وصفته بـ"غزو الحشرات المزعجة" لنهار النازحين وليلهم.
وقالت: "أصبح الذباب والبعوض زوّارًا مقيمين في خيامنا لا سيما مع دخول فصل الصيف واشتداد درجات الحرارة"، مشيرةً إلى أن خيمتها في تل السلطان غربي مدينة رفح جنوب قطاع غزة، تعج بالذباب خلال ساعات النهار لدرجةٍ تضطرها لتركها والهرب بعيدًا.
ويعد انتشار الحشرات في مخيمات النزوح، لا سيما الذباب والبعوض، من أكثر المآسي التي تقض مضاجع النازحين، لما تسببه من نقلٍ للأوبئة والأمراض، خاصةً الجلدية منها.
وأضافت: "تجمعات الذباب أصبحت أكثر كثافة من ذي قبل بسبب اشتداد الحر، وأصبحنا نتعرض لقرص البعوض طوال اليوم"، مردفةً بصوتٍ مقهور: "لا أحد يمكنه احتمال هذا الوضع".
إلى جوار خيمة أبو غوش، كان أحمد الشوا (النازح من مدينة غزة) يحاول طرد الذباب من داخل خيمته من أجل منح طفلته فرصةً للنوم. يخبرنا: "أصبحنا نعيش المعاناة في أدق تفاصيل حياتنا".
وتنتشر الخيام في مدينة رفح التي نزح إليها نحو مليون فلسطيني من عدة مدن في قطاع غزة، وقد أقيم أغلبها على الرمال بلا بنى تحتية، ودون توفير إمدادات تحت أرضية خاصة للصرف الصحي، الأمر الذي حول تجمعات الإيواء إلى مكرهة صحية؛ بسبب انتشار تجمعات المياه الضحلة بين الخيام.
يشير الشوا إلى تجمع مياه بالقرب منه، ويقول: "هذه المياه تجلب البعوض الذي بدوره ينقل الأمراض بين النازحين، وخاصة مرض الكبد الوبائي الذي أصبح متفشيًا اليوم بين النازحين بمختلف الأعمار في رفح".
وطالب الشوا البلديات في مدن النزوح، بمحاولة توفير ما يمكن توفيره من مواد طاردة للذباب والبعوض، ورش المخيمات بها من أجل صحة وحياة النازحين.
ويعاني في قطاع غزة نحو 700 ألف شخص من أمراض مُعدية نتيجة النزوح، بينهم نحو 8 آلاف حالة مصابة بالتهاب الكبد الوبائي الفيروسي، وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة.
وحذَّر مدير عام منظمة الصحة العالمية "تيدروس أدهانوم غيبريسوس"، من مغبة انهيار النظام الصحي في قطاع غزة المحاصَر، مشيرًا إلى وجود 10 مستشفيات فقط تعمل بشكل جزئي من أصل 36.
وتقول لبنى القواسمي (34 عامًا): "ثاني أكثر الأمور سوءًا بعد سماع صوت القصف، هو سماع أزيز البعوض عندما يمر بجانب أذنك وأنت تحاول النوم".
وتضيف: "كنتُ قبل أن أنزح إلى تجمع الإيواء برفقة زوجي وأبنائي الأربعة، أعيش في الطابق السادس بعمارة سكنية غربي مدينة غزة، ولم يكن يصلني البعوض بسبب ارتفاع الشقة، ولم أعاني في حياتي منه. الآن أعيش في خيمةٍ من النايلون تساعده على الدخول من أي مكان".
وتكمل بنبرة انهيار: "هذه الخيمة من أهم مواصفاتها أنها حارة جدًا نهارًا وباردة جدًا ليلًا، والآن أصبحت مرتعًا للبعوض والذباب. لم نعد نعرف طعمًا للنوم، ومهما حاولت تنظيف المكان، وترتيبه، لا يمكن طرد البعوض منه".
في كل ليلة، تحاول لبنى اصطياد البعوض في خيمتها، وسد كل المنافذ التي يمكن أن يدخل غيره منها، "وهذا يخنقنا لا سيما في أيام الحر" تعقب.
وتزيد: "إنه يحرمنا من فتح نوافذ الخيمة من أجل الحصول على بعض الهواء. يلدغنا ويخنقنا حتى يجعلنا نتمنى طلوع النهار في أقرب وقت ممكن".
بدوره، أكد الخبير الأكاديمي المختص بعلم الأوبئة د.أحمد عمرو، أن الذباب والبعوض يمكنهما نقل الأمراض بشكل غير مباشر من خلال لدغاتهم أو برازهم.
وبين أن الحرب الدائرة في غزة وتداعياتها على النظام الصحي واكتظاظ السكان، تشكل عاملًا حاسمًا في ظهور وانتشار هذه الحشرات التي تشمل القراد (ينقل مرض لايم وحمى روكي ماونتن المرقطة)، والبراغيث (ينقل الطاعون والتيفوس)، والقمل (ينقل التيفوس الوبائي وحمى الخندق)، والعث (ينقل الجرب والتيفوس الفركي).
وقال عمرو: "ما نشهده في مراكز الإيواء ومخيمات النزوح من تراكم للمياه الراكدة والإدارة غير السليمة للنفايات والصرف الصحي، يهيئ أرضًا خصبة لنواقل الأمراض، مما يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض مثل الملاريا وحمى الضنك".
ولأجل مواجهة الذباب والبعوض، نصح عمرو باتخاذ تدابير وقائية أهمها استخدام طارد البعوض، وارتداء الملابس الواقية، والناموسيات، ورش المبيدات الحشرية، وإدارة مصادر اليرقات.
وأضاف: "يعدُّ دهن الجلد بزيت الخروع أحد أكثر الطرق فعالية لمنع اقتراب البعوض وتجنب لسعاته".
ومنذ بدء حربها على غزة، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلية بهجمات ممنهجة ومتواصلة المرافق الطبية والمستشفيات في مختلف مناطق القطاع، مما تسبب في تدمير المنظومة الصحية، وتدهور البنى التحتية.
وخلّفت الحرب على غزة أكثر من 34 ألف شهيدًا حتى اللحظة معظمهم أطفال ونساء، ومجاعة أودت بحياة أطفال ومسنين، حسب بيانات فلسطينية وأممية.
