غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"عليك أن تُضرب وتُقتل بصمت. حتى استنكارك للانتهاك أصبح ممنوعًا" بنبرة قهرٍ بدأ المواطن بدر الداعور حديثه عن معاناة سكان البلدة القديمة وسط مدينة الخليل، الخاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي.
وقال: "ما يزيد خطورة الوضع، أن الفلسطيني لا يمكنه توثيق أي اعتداء من قبل المستوطنين، أو طلب الحماية من أحد، أو حتى محاولة حماية نفسه".
بدر، مثل معظم سكان البلدة الذين ظنّوا منذ أكثر من 25 عامًا، أن معاناتهم مع الاحتلال ومستوطنيه بلغت ذروتها، وأن ما يعيشونه من حصار وتهديد بالقتل بشكل شبه اليومي هو أقسى ما يمكن أن يعيشونه، إلا أن الاحتلال استطاع أن يثبت عكس ذلك، وأن بإمكانه الإمعان أكثر في التهجير "الصامت" للسكان، "وهذا ما يحدث فعلًا بالتزامن مع العدوان على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول من العام الماضي" يضيف.
"ما يزيد خطورة الوضع، أن الفلسطيني لا يمكنه توثيق أي اعتداء من قبل المستوطنين، أو طلب الحماية من أحد، أو حتى محاولة حماية نفسه"
الداعور يصنف مكان سكنه في أطراف البلدة القديمة بالخليل بـ"الأقل خطورة" مقارنةً بمناطق أخرى كتل الرميدة، وشارِعَي الشهداء والسهل على سبيل المثال، مستدركًا: "لكن مظاهر التسلح لدى المستوطنين تضاعفت على كثرتها، وإحكام الحصار على البلدة بلغ ذروته، خاصةً خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العدوان على القطاع".
ويخبرنا بدر بأن الخوف من رصاص الاحتلال ومستوطنيه، تضاعف عشرات المرات عما سبق، "فالأمر تعدى الاقتصار على التهديد بالقتل، إلى هجمة شرسة جدًا هدفها القتل الفعلي والتدمير والحرق بغية التهجير".
منذ بدء العدوان على غزة، فرض الاحتلال منع التجوال على البلدة القديمة بشكل كلي لمدة 70 يومًا، وبشكلٍ جزئيٍ لأكثر من 100 يوم، حاصر خلالها أكثر من 700 عائلة فلسطينية، على تماسٍ مباشر مع 5 بؤر استيطانية.
ولا يزال الحصار -وإن خفت حدته قليلًاـ مستمرًا عبر أكثر من 8 حواجز وبوابات إلكترونية، وعشرات الحواجز الطيارة، و70 حاجزًا أقيم فوق أسطح المنازل.
هذه الإغلاقات المتكررة، بالتزامن مع العدوان على قطاع غزة، تسببت بخسارة مئات المواطنين الذين يعملون خارج أسوار البلدة القديمة وحواجزها وظائفهم ومصادر رزقهم، بعدما اضطُر العديد من أرباب العمل لفصل العمال الذين يقطنون داخل البلدة.
الإغلاقات الممنهجة أيضًا، أثّرت على الحياة الاجتماعية للفلسطينيين، حيث عزلت سكان البلدة عن أقاربهم وحياتهم خلف الحواجز، "ومنعتهم من الوصول إليهم خشية الاعتداءات والإغلاقات" يكمل الداعور.
ويواجه طلبة البلدة القديمة في الخليل من ناحية التعليم مشكلتين، الأولى (والحديث له) "مشكلة التذبذب في المسيرة التعليمية المتعلقة بقرارات وزارة التربية والتعليم حول الدوام الجزئي للمعلمين، والثانية إغلاق كامل للمدارس بالبلدة، ومنع الطلبة من التوجه إليها ليبقى التعليم الإلكتروني الجزئي هو الحل الوحيد فقط".
محل المواطن عزام أبو خلف لألعاب الأطفال أيضًا، لم ينجُ من اقتحامات وانتهاكات الاحتلال اليومية في البلدة القديمة. فصاحبه يتلقى تهديدات مستمرة من الجيش بقتله وقتل أطفاله بسبب بيعه ألعابًا بلاستيكية على شكل أسلحة!
ما يفاقم أزمة أبو خلف أن رواد البلدة القديمة لم يعودوا كالسابق، "فقد انعدمت الحركة التجارية هنا منذ العدوان على غزة حتى أصبحت خاوية على عروشها"، وسواءً أغلقت المحال التجارية اليوم أبوابها أو لا، فإنها لا تجد زبائن، "ويبقى الهدف من فتحها تحدي الاحتلال ومستوطنيه بالثبات على الأرض، أكثر من كونه مصدر رزق" يقول.
ويقطن المواطن محمد المحتسب في محيط الحرم الإبراهيمي بشارع السهل، وهي جزء من المناطق المغلقة تمامًا، والأشد خطورة.
يقول: "لنحو أكثر من 3 أشهر واجه سكان المنطقة منع تجول مستمر. كان مسموحًا لنا بالخروج من البلدة مرتين خلال الشهر فقط، ثم سمحوا بالخروج مدة نصف ساعة فقط أيام الأحد والخميس، ومن يتأخر دقيقةً واحدةً عن الموعد فهو مضطرٌ للبيات خارج البلدة حتى يأتي يوم العودة إليها".
وعلى الرغم من رفع منع التجول في الآونة الأخيرة فإن القيود المشددة على الحركة لا تزال مستمرة، "إذ من الممكن أن يخرج المواطنون من البلدة صباحًا، ويمنعهم الاحتلال من الدخول مساءً" يضيف.
ويتابع: "وأنت وحظك. يمكن أن تجتاز كل البوابات الإلكترونية والحواجز بنجاح، ويحدث أن تمر عبر أغلبها، حتى تصل إلى الحاجز الأخير فيمنعك جندي بذريعة أن التعميم بفتح الحاجز الذي وصل إلى الحواجز الأولى لم يصل إلى الحاجز الأخير، ليعود المواطنون أدراجهم مرةً أخرى".
ومع إعلان الاحتلال لحالة الطوارئ، فإن الدم الفلسطيني أصبح مستباحًا أكثر من أي وقتٍ مضى، وفي أي مكان، وهذا يزيد مخاوف المواطنين الذين أغلق بعضهم الباب على نفسه وعائلته، ولم يعد يخرج من بيته خشية السيطرة عليه من قبل المستوطنين، أو قتلهم إياه في أية لحظة.
مع إعلان الاحتلال لحالة الطوارئ، فإن الدم الفلسطيني أصبح مستباحًا أكثر من أي وقتٍ مضى، وفي أي مكان.
يستدرك بالقول: "لكن أتمنى على جميع المواطنين ألا ينقطعوا عن التوجه إلى الحرم الإبراهيمي. أي انقطاع سيتيح الفرصة للاحتلال كي ينفذ مخططاته بالسيطرة الكاملة على الحرم الشريف".
بدوره، يشير محامي لجنة إعمار الخليل في البلدة القديمة توفيق جحشن، إلى أن اللجنة وثّقت أكثر من 283 انتهاكًا منذ الثامن من تشرين أول/أكتوبر من العام الماضي، وحتى شهر شباط/فبراير من العام الجاري، توزّعت ما بين اعتداءات للمستوطنين أو الجنود أو الاثنين معًا، واقتحامات متكررة للمنازل.
وأضاف: "الاحتلال أغلق 5 مدارس بالبلدة مما حرم 1150 طالبًا من حقهم في التعليم، كما أغلق المراكز الصحية في البلدة، ومنع الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف من الدخول لممارسة عملها، ونقل المرضى إلى خارج البلدة".
وتابع: "الاحتلال أغلق العديد من المؤسسات في البلدة القديمة بما فيها المحكمة الشرعية التي أعاد فتحها مؤخرًا، لكنه بالمقابل منع فتح مكاتب الخدمات العامة التي تساند عملها".
وحذر جحشن من توسعٍ استيطانيٍ محتمل في البلدة القديمة بالتزامن مع الإغلاق والحصار المطبق عليها، من أجل خلق سلخٍ جغرافي يقطع شمال البلدة عن جنوبها، مردفًا بالقول: "وكل هذا بهدف تهجير المواطنين الفلسطينيين بشكلٍ غير مباشر".
يوجد داخل المدينة خمسة مواقع استيطانية، هي تل الرميدة، والدبويا، ومدرسة أسامة بن المنقذ، وسوق الخضار، والاستراحة السياحية، والتجمع الاستيطاني اليهودي على حدود المدينة الشرقية (كريات أربعة وخارسينا).
ويُجمع المواطنون في البلدة القديمة وسط الخليل، على أن ما يعيشونه بالتزامن مع العدوان على غزة لم يسبق له مثيل، وأن اعتداءات المستوطنين أصبحت أكثر جرأة وعنفًا عما سبق، وأن انتشار جنود الاحتلال في البلدة تضاعف منذ العدوان، هذا عدا عن انتشار كاميرات المراقبة والحواجز في كل مكان.
تعيش البلدة القديمة في الخليل تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967م. ومنذ ذلك التاريخ شرع المستوطنون بالاستيطان في محيط المدينة ثم في داخلها. يوجد داخل المدينة حاليًا خمسة مواقع استيطانية؛ هي مستوطنة تل الرميدة، والدبويا، ومدرسة أسامة بن المنقذ، وسوق الخضار، والاستراحة السياحية قرب المسجد الإبراهيمي، بالإضافة إلى التجمع الاستيطاني اليهودي على حدود المدينة الشرقية (كريات أربعة وخارسينا).
