ليالي القصف.. حرائق في قلوب "أمهات" مطلقات!
تاريخ النشر : 2024-04-24 16:18

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في إحدى ليالي آذار/مارس الماضي، استيقظت نهى فزِعةً من كابوسٍ طويل أرهق منامها. لقد رأت أبناءها استُشهدوا جميعًا تحت ركام منزلهم، فيما هي بعيدةٌ جدًا تناديهم بلا صوت، ولا تستطيع إليهم وصولًا.

مشت بثقلٍ شديد نحو زجاجة ماءٍ قريبة، شربت منها وغسلت وجهها لعلها تصحو من هول مخاوفها التي تزورها في عزّ المنام، منذ اندلاع حرب الإبادة بغزة في السابع من تشرين أول/ أكتوبر الماضي.

نهى (33 عامًا)، منفصلة، وأمٌ لثلاثة أبناء لا يتجاوز عمر أكبرهم العشر سنوات. هي لم ترهم منذ اندلاع الحرب، وهذا جعل منها امرأةً أخرى، دائمة العصبية والصراخ والتوتر، وترك شروخًا -وفق ما تحكي- في علاقاتها مع كل من هم حولها من أهل وأقارب وأصدقاء.

طليقي يتعامل مع الأمر على أنه فرصة للانتقام. إنه يريد أن يحرق قلبي على أطفالي.

تقول: "لا أعرف ماذا يريد طليقي بعد؟! لقد انتشرت رائحة الموت في كل مكان، ولا أحد يعرف ما سيؤول إليه مصيره. لماذا يصر على حرماني من رؤية أطفالي أو حتى الحديث معهم؟"، مردفةٌ: "إنه يتعامل مع الأمر على أنه فرصة ليحرق قلبي عليهم".

تزوجت نهى قبل 11 عامًا من ابن عمها، وأنجبت منه أبناءها الثلاثة، رغم ازدحام حياتهما الأسرية بالمشكلات والخلافات التي لا تنتهي. تعلق بالقول: "كان يتلذذ بضربي أمام أبنائي وإهانتي أمام أهله. هذا كله دفع عائلتي لدعمي في مسألة الطلاق منه، وترك الأطفال لوالدهم والاكتفاء برؤيتهم مرة واحدة فقط في الأسبوع. حدث ذلك فعليًا قبل 3 سنوات".

اندلعت الحرب، ونزحت نهى برفقة عائلتها إلى مدارس محافظة رفح جنوبي قطاع غزة، بينما نزح أبناؤها برفقة والدهم إلى دير البلح في المنطقة الوسطى، ولم تتمكن منذ ذلك الوقت، الوصول إليهم أو رؤيتهم أو حتى سماع أصواتهم.

هذا الواقع، كان بمثابةٍ حربٍ أخرى، تعيشها نهى وحدها وتقتلها في كل لحظةٍ مئة مرة. "الكل يعيش حياته بشكل طبيعي، يخافون في وقت القصف، لكنهم يستطيعون احتضان أطفالهم وتهدئة روعهم، لكن أنا لا أستطيع. الكوابيس أرهقتني، وبت أتناول المهدئات حتى أتمكن من النوم" تكمل.

وتزيد: "لا شيء يستطيع تهدئة نار قلبي المشتعلة. أريد أن أسمعهم ينادونني ماما لمرة واحدة على الأقل، لكن هذا لم يحدث منذ ستة أشهر".

وليست نهى وحدها صاحبة هذه المعاناة. هي حكاية آلاف الأمهات الفلسطينيات في قطاع غزة، ممن حُرمن رؤية أطفالهن نتيجة غياب إجراءات الرؤية القانونية، أو الاستضافة، وتوقف عمل المحاكم التي كانت تُلزِمُ الأزواج بإعطاء زوجاتهم فرص رؤية أبنائهم في أماكن عامة، أو استضافتهم داخل المنزل بسبب اندلاع الحرب.

"أعرف أمهات سافرن دون نظرة وداع، وبعضهن نزحن جنوبًا، وبقي أطفالهن برفقة الأب في الشمال، وبعضهن عرفن أن أطفالهن سافروا برفقة أبيهم دون أن تعرف. دون حضنٍ أو وداعٍ أخير.

تقول نهى: "أعرف أمهات سافرن دون أن يتمكنَّ من إلقاء نظرة وداع على أطفالهن. وبعضهن نزحن جنوبًا، وبقي أطفالهن برفقة الأب في الشمال، وبعضهن أيضًا لا تدري عن أطفالها شيئًا نتيجة تعنّت الزوج ورفضه السماح لهن بمحادثة أطفالهن أو الاطمئنان عليهم، وأخريات عرفن أن أطفالهن سافروا برفقة أبيهم دون أن تعرف، ودون أن تحظى بحضنٍ أو وداعٍ أخير".

تغريد (27عامًا)، هي الأخرى منفصلة أمٌ لطفلين. تخبرنا: "كنت أرى أطفالي مرةً كل أسبوعين وفق حكم المحكمة، لكن عندما اندلعت الحرب ونزحنا نحو الجنوب، لم أعد أعرف عنهم شيئًا بعد أن قرر طليقي حرماني منهم، وتغيير رقم هاتفه".

وتضيف: "مرت سبعة أشهر. لا أعرف عنهم ولا عن والدهم شيئًا، أنا حرفيًا أموت في اللحظة ألف مرة، وأبحث في كل الوجوه والأسماء والأرقام الهاتفية عنهم عبثًا. لا أجد ما يمكن أن يدلني على مكانهم، ولا أجد ما يخفف من عذاب خوفي واشتياقي إليهم سوى صورهم التي تجمعني بهم في هاتفي المحمول".

منى موسى أخصائية علم النفس في جمعية "عائشة" لحماية المرأة والطفل، قالت لشبكة "نوى": "نتلقّى مناشدات لآلاف الحالات من النساء المنفصلات، اللاتي حرمتهن الحرب واستحالة التنقل بين المحافظات من رؤية أبنائهن. ليس ذلك وحسب، بل حتى النفقة حُرمن منها نتيجة توقف عمل المحاكم والأجهزة الشرطية، ومؤسسات حماية الطفولة".

بمجرد تواصل الأمهات مع الجمعية، يبدأ البحث عن حلول ممكنة، وغالبًا تنطلق من إيجاد وسيطٍ يمكن أن يؤثر على الزوج و"يستجديه" أحيانًا للسماح للأم برؤية أطفالها، أو الحديث معهم هاتفيًا على الأقل.

وبرغم أن الوضع استثنائي، ويمكن في أي لحظةٍ بسبب عشوائية الحرب أن تستشهد الأم، أو يستشهد أو يصاب أطفالها (والحديث لموسى)، نجد بعض الأزواج يتعنّتون في تلبية دعوتنا بلم شمل الأم مع أطفالها، أو السماح لها برؤيتهم "يا للأسف".

وتتابع بنبرة قهر: "وضع بعض الأمهات المطلقات يُرثى له، فهن يبكين أمامنا بكاءً هستيريًا، وعلى مدار الوقت يتفقدن صورهن التذكارية برفقة أطفالهن. وبمجرد سماع خبر عن استهداف بيت عائلة زوجها، أو بيت جيران لهم، تصيبها حالة جنون، وتبدأ بالاتصال هنا وهناك لعلها تجد ما يطمئن قلبها ويهدئ من ناره المشتعلة".

وفق موسى، هناك بعض النساء اللاتي توقفت حياتهن تمامًا في انتظار خبرٍ عن أطفالهن. "عاجزات تمامًا عن المضي في الحياة، وبعضهن تحرم نفسها من الطعام والشراب لأن أبنائها بعيدون عنها ولا يجدون ما يأكلونه في بعض الأوقات، كما حدث مع من تبقوا في شمال قطاع غزة"، معقبةً بأسى: "وهناك الكثير من الأطفال يعانون، وبعضهم دخلوا في حالة اكتئاب نتيجة البعد المكاني والوجداني بينهم وبين أمهاتهم، إذ لم يتمكنوا من رؤيتها أو سماع صوتها منذ اندلعت الحرب وحتى اليوم".