حربٌ وبحر.. ولقمة عيشٍ ثمنها "الروح" أحيانًا
تاريخ النشر : 2024-04-16 18:20

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عند الخامسة من صباح كل يوم، يستيقظ ماهر السلطان (٣٦ عامًا) من نومه مسرعًا، ويخرج من خيمته في منطقة مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة، متوجهًا إلى شاطئ البحر، قاصدًا "وجه الكريم" لتحصيل طعام الغداء لأطفاله الذين أنهكت الحرب الإسرائيلية على غزة، أجسادهم الصغيرة.

ما أن يصل الرجل الذي نزح مع أسرته من بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع إلى الشاطئ، حتى يبدأ بتجهيز مركبه وشباكه استعدادًا لإلقائها في البحر لعلها تلتقط ما يسد رمق أطفاله، رغم استمرار القصف الإسرائيلي برًا وجوًا وبحرًا في المدينة.

ويمضي السلطان نحو ساعتين يوميًا لتجهيز مركبه وشباكه وإطلاقها على مسافة ليست بعيدة من الشاطئ؛ خوفًا من إطلاق النار عليه من قبل زوارق الاحتلال، فيما يحتاج إلى ساعتين ثانيتين قبيل غروب الشمس لجمع شباكه والتقاط ما قسمه الله له من الأسماك.

يقول السلطان لـ"نوى": "إن هذا العمل مغمس بالدم، فقد تعرضت لإطلاق نار مرتين على الأقل في أسبوع واحد من الزوارق الحربية الإسرائيلية خلال محاولتي صيد الأسماك".

كانت الطلقات النارية التي أطلقتها بحرية الاحتلال باتجاه مركب السلطان، ترتطم بالمياه على مسافة قريبة للغاية منه، وفي إحدى المرات اخترق عيار ناري سطح المركب دون أن يصيبه بأذى.

ويضيف: "يستخدم الصيادون قوارب تجديف يدوية بسيطة، ورغم ذلك يتم استهدافنا، ونحاول في كل مرة الهروب من إطلاق النار والتجديف باتجاه شاطئ البحر".

واستشهد صيادان فلسطينيان برصاص بحرية الاحتلال قبالة ساحل خانيونس، في السادس والعشرين من شهر فبراير الماضي، خلال محاولتهما صيد الأسماك وتوفير لقمة العيش لأسرتيهما.

وفي العاشر من فبراير، استشهد صياد وأصيب آخر بنيران زوارق الاحتلال قبالة ساحل دير البلح وسط قطاع غزة.

رغم هذه المخاطر التي تصل إلى حد الموت، إلا أن الصيادين يجدون مهنتهم سبيلًا وحيدًا أمامهم لكسب الطعام والمال.

فعلى مقربة من الصياد السلطان، كان الناس يتجمهرون حول أحد الصيادين الذي عاد من توّه إلى شاطئ البحر، بعد رحلة صيد امتدت من الفجر حتى شروق الشمس.

دقائق قليلة مرت حتى باع الصياد (ويدعى خميس أبو دقة) من بلدة القرارة جنوب القطاع، معظم ما اصطاده من أسماك، فقفل عائدًا إلى بيته الذي يبعد مسافةٍ تقل عن ١٠٠ متر عن الشاطئ.

وقال أبو دقة لموقع "نوى": "أقوم ببيع جزء مما أصطاده من أسماك، واصطحب الجزء الآخر معي إلى البيت لإطعام أسرتي".

وتابع وهو يؤشر بيده إلى مركب الصيد خاصته الملقى على شاطئ البحر: "في الواقع هذا المركب ليس لي، بل استعرته من صديقي من سكان خان يونس من أجل كسب الرزق بعدما خسرت المركب الخاص بي في قصف إسرائيلي استهدف مراكب الصيادين على شاطئ بلدة القرارة في نوفمبر الماضي".

وأشار أبو دقة إلى أنه تعرض أكثر من مرة لإطلاق النار من قبل الزوارق الحربية الإسرائيلية، كان آخرها قبل أسبوع.

وقال: "الجيش الإسرائيلي يتعامل مع الصيادين بجنون غير معهود، إنهم يطلقون النار بشكل مباشر على المراكب والصيادين ودون تحذير مسبق".

وفي معظم الأيام، ينتهي أبو دقة من رحلة صيده اليومية جامعًا نحو 5 كيلو جرامات من أنواع محددة من الأسماك مثل الغزلان أو السكمبلا.

ويقول: "ما أن يلمس مركبي رمال الشاطئ قادمًا من رحلة الصيد، حتى تنهال عليَّ طلبات النازحين الذين يرغبون بشراء الأسماك".

وأشار أبو دقة إلى أنه يقوم ببيع نحو ثلثي الكمية للناس، فيما يصطحب الثلث الأخير من السمك معه إلى بيته لإطعام أسرته.

وبين أنه يبيع الكيلو الواحد من سمك الغزلان بنحو ١٠٠ شيقل، رغم أن سعره قبل الحرب كان لا يتجاوز ٢٥ شيقلًا.

وأوضح أن تضاعف أسعار الأسماك يرجع إلى العرض والطلب، إذ أن احتياج الناس للأسماك كبير في ظل غياب اللحوم الأخرى من الأسواق أو غلاء ثمنها بشكل مضاعف، وهو الأمر الذي شجع بعض الصيادين على المجازفة ونزول البحر لصيد الأسماك وتحقيق الربح.

وقال أبو دقة: "الناس يتخوفون من شراء لحوم المواشي من الأسواق، فقبل فترة سمعنا عن القبض على أحدهم وقد ذبح حمارًا وحاول بيعه للناس في سوق رفح، فيما تسود إشاعات أخرى أن تجار لحوم يقومون بذبح الكلاب وبيعها على أساس أنها لحم ضأن".

وتابع وهو يعرض بعض الأسماك التي اصطادها: "السمك واضح جدًا، فلا يمكن التلاعب به أو الغش في بيعه، كما لا يباع إلا طازجًا لأنه لا يوجد كهرباء لتخزينه في الثلاجات لأيام طويلة".

وتعد مهنة الصيد مصدر رزقٍ أساسي لآلاف العائلات في القطاع، وتقيد "إسرائيل" حدود قوارب الصيد في غزة بستة أميال فقط، وتحرسها الزوارق الحربية الإسرائيلية التي تطلق النار على أي شخص يعبر تلك الحدود.

وخلال الأسابيع الأخيرة، نجح صيادون في صيد الأسماك بشكل محدود وعلى مسافة عدة أمتار من شاطئ البحر لتوفير الغذاء لعائلاتهم ولسكان القطاع الذين يواجهون نقصًا كبيرًا في الغذاء، نتيجة الحرب الإسرائيلية المتواصلة منذ نحو 5 أشهر.

يشار إلى أن كميات الأسماك التي كان يتم اصطيادها في قطاع غزة سنويًا تبلغ 2800 طن، قبل بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر، الذي حصد حتى اليوم أرواح ما لا يقل عن ٣٠ ألف فلسطيني- وفقًا للبيانات الرسمية.