غزة/أمل الوادية:
"شريت لأولادي عشا وقعدنا علشان ناكل فجأة لقيت حالي تحت الركام"، بهذه الكلمات استهلّت المواطنة سماهر عفانة حكايتها. لقد فقدت طفلتيها ريماس وزينة بينما كانت تُجهّز الطعام، عندما انهالت على رأس البيت صواريخ الاحتلال، التي سبقتها مسرعةً نحو المائدة.
فجأةً ودون سابق إنذار، ومع حلول الساعة الثامنة مساءًا، نسفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مربعًا سكنيًا كاملًا في معسكر جباليا شمالي قطاع غزة، وكان فيه بيت "سماهر". ارتقت زينة ابنة الأعوام الستة، وشقيقتها ريماس (3 سنوات)، بعد أن شهدتا في عمرهما الغض أبشع الجرائم التي ارتكبتها "إسرائيل" تجاه المدنيين والأبرياء في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي.
تاريخ التاسع عشر من أكتوبر، كان وما زال كابوسًا يلاحق "الجريحة" سماهر، بدءًا باللحظة التي اشتهت فيها زينة الشوكولاته، وليس انتهاءً باستشهادها وأختها معها قبل أن تتذوقها. تقول: "تجولت في السوق لساعات حتى وجدت مرطبان شوكولاته. اشتريته وعدتُ إلى البيت مسرعةً لكن الاحتلال لم يمهلني. لقد قتل أمنيتها بعشاءٍ لذيذ يجبّ ما قبله من وجع الأيام وجوعها".
كانت زينة قبلها بدقائق -والحديث لأمها المكلومة- تستمع إلى أنشودةٍ عن الشهداء وتدور على أنغام موسيقاها، وتنادي أمها: "يا ماما سقفيلي" حتى إذا رفعت عينيها إليها، تحوّل كل شيءٍ إلى ركام".
بقيت سماهر تحت الأنقاض لبضع دقائق غير قادرةٍ على الحركة، أو استيعاب ما حدث، مرةً تُكذّب نفسها وتقول: "لا أنا أحلم. أنا متأكدة"، ومرات تنادي "يا الله" لعل أحدًا يسمع صوتها فيخرجها من تحت الركام".
تقول: "أصبتُ بكسرٍ في الجمجمة وجروحٍ في الأذنين، وأحتاج إلى عملية في ظل انعدام الأدوية في قطاع غزة".
صوت أطفال سماهر من تحت الأنقاض وهم يصرخون: "الحقينا ياماما، طلعينا يا ماما"، جعل معجزةً ربانيةً تحدث. رغم إصابتها الخطرة، استجمعت قواها، وأبعدت عن جسدها الركام والحديد، ثم وقفت أمام المسعف تخبره: أولادي هنا، ساعدهم أرجوك. بدأ الرجل يحفر بيديه فلما وصل إليهما كانت زينة قد لفظت أنفاسها الأخيرة وقد خرجت من بطنها الأمعاء. في تلك اللحظة تضيف سماهر: "من هول الصدمة أخذت أضرب على رأسي دون توقف حتى غبت عن الوعي".
نُقلت سماهر بسيارة الإسعاف إلى المستشفى الأندونيسي شمالي مدينة غزة، وهناك مكثت عشرة أيام في العناية المركزة، ودُفنت دون أن تُقبل جثماني ابنتيها ودون أن تُلقي عليهما نظرة الوداع الأخيرة.
تستذكر سماهر بعينين دامعتين، كيف رأت ابنتيها كفراشتين زرقاوين بينما كانت على سرير العناية المركزة، ابتسمتا لها وأخبرتاها بصوتٍ هامس: "ماما نحنا استشهدنا". في تلك اللحظة استيقظت، فسألت أختها عنهما، لتخبرها بأنهما بخير، لكنها سبقتها بالخبر، وردّت: "بل شهيدتين. هل دفنتموهما؟" فهزّت رأسها، وبكت.
ذهبت سماهر في تفكيرها وهي تحدثنا عن ريماس إلى البعيد، وقالت بصوتٍ يرتجف ألمًا: "ريماس بيضاء، وطويلة، وجميلة. فازت في الصف الأول بتحدي القراءة على مستوى المنطقة وكرمتها المدرسة. كانت تحفظ القرآن وتصوم رمضان رغم صغر سنها، وكانت تحلم بأن تصبح طبيبة، لكن الاحتلال قتل الحلم، وقتلها أيضًا".
أما "زينة"، فكان أستاذها في المدرسة يسميها "زينة الصف". تحب الفساتين وألعاب العرائس. تضيف أمها: "في كل عيد كنتُ أصطحبها للتسوق، وأشتري لها الفستان الذي ترغب به، و العروسة التي تنال إعجابها. كانت تقول لي: بعد الحرب بدي ياماما تشتريلي عروسة جديدة ألعب فيها وأكيّف. بس راحت وما أخدت اللي نفسها فيه".
حشرجةٌ خنَقَت صوت سماهر، فانهمرت على خديها دموع الحسرة: "نفسي أشوف بناتي. أنا لحتى الآن حاسة إنهم بمشوار وحيرجعوا. نفسي يفتحوا الباب ويحضنوني، بحسب حسابهم بالأكل، ولما بجيب ملاعق الأكل، بحط إلهم معنا ملاعق".
تتساءل سماهر التي تجرعت مرارة الفقد: "شو ذنبهم بناتي يموتوا؟ وينحرموا من طفولتهم في حين أن أطفال العالم عايشين ومبسوطين؟ كيف حعيش من دونهم؟ أنا اشتقت لبناتي ونفسي أشوفهم".
ومنذ استشهاد ابنتيها، وسماهر يسيطر عليها مشاعر الألم والقهر ودموعها لا تفارق خديها، وصوت خروج الروح من جسد ابنتها يعصف برأسها كلما وضعت رأسها على الوسادة قبل النوم. تضيف: "أصعب اشي بالحياة تتحسري على ولادك، تفقِدي قطعة من قلبك بلا وداع، وبلا قبلة على الجبين".
فقدان ابنتيها دفعها للنزوح بابنتيها الثانيتين وابنها الوحيد إلى مدارس الإيواء بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة. تقول: "ولادي صار معهم ضغط نفسي، صاروا يصرخوا بلا سبب، ويقعدوا بالزاوية وما يتكلموا. بناموا وصوت القصف في آذانهم، ولحتى الآن مش مصدقين إنه زينة وريماس راحوا، ومش حنشوفهم للأبد".
