إغراق الأنفاق.. "مجاعة" تَطُلُّ برأسها على غزة
تاريخ النشر : 2024-01-04 09:55

غزة- رشا أبو جلال

"إغراق أنفاق المقاومة بمياه البحر" عنوانٌ عريضٌ أعلنته دولة الاحتلال الإسرائيلي، في إطار خطةٍ تشمل ما يقول قادتها إنها "من ضمن مراحل الحرب المقبلة على قطاع غزة".

وتثير خطوة إغراق الأنفاق بمياه البحر مخاوف فلسطينية كبيرة، لما لها من نتائج كارثية تهدد قطاعي الزراعة والمياه في قطاع غزة، حيث أفاد مسؤولون أمريكيون في تصريحات نشرت في الثاني عشر من كانون أول/ ديسمبر الجاري، بأن جيش الاحتلال بدأ فعليًا بضخ مياه البحر إلى أنفاق غزة، معربين عن قلقهم من أن تعرض هذه الخطوة، إمدادات المياه العذبة بغزة للخطر.

وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، ذكرت أن "إسرائيل" انتهت منتصف نوفمبر الماضي، من تجميع مضخات لمياه البحر على مسافة ميل تقريبًا، شمالي مخيم "الشاطئ" للاجئين، موضحةً أنه "يمكن لكل مضخة نقل آلاف الأمتار المكعبة من المياه كل ساعة إلى الأنفاق الممتدة لنحو 300 ميل أي (لنحو 483 كلم)، ومن ثم إغراقها بشكلٍ كاملٍ خلال أسابيع".

وتواجه خطة "الإغراق" انتقادات واستنكارات فلسطينية واسعة، كونها تعد انتهاكًا للقانون الدولي والإنساني، فضلًا عن أنها تحمل مخاطر كارثية على الوضع البيئي والزراعي، ما ينذر بوقوع مجاعة حقيقية سيعاني منها سكان غزة بعد الحرب ولأمدٍ طويل.

ويمتد الخزان الجوفي الساحلي على كامل مساحة قطاع غزة، ويُعدُّ المصدر المائي الرئيس في قطاع غزة، الذي يعتمد عليه المواطنون لتلبية احتياجاتهم المائية في مختلف الاستخدامات.

ووفقًا لسلطة المياه الفلسطينية، فإن "ضخ مياه البحر أسفل القطاع في طبقات رملية، سيؤدي إلى خلخلة وتمييع التربة الرملية، وبالتالي حدوث هبوط في سطح الأرض في العديد من مناطق القطاع، وهو ما ينذر بانهيار ما تبقى من منازل ومبان وبنى تحتية، إلى جانب انعكاس ذلك على زيادة نسبة الملوحة في التربة، مما سيجعلها غير قابلة للزراعة".

بدوره، أكد خبير المياه والبيئة سائد الخياط، أن ضخ مياه البحر عبر الأنفاق في غزة سيؤدي إلى تشبع التربة بمياه البحر، وتسريب هذه المياه المالحة أفقيًا في المخزون الجوفي للمياه، الأمر الذي سيجعل التربة غير صالحة للزراعة، ويُفسد المخزون الجوفي من المياه بشكل كبير.

وقال الخياط لـ"نوى": "هذه الخطة ستسبب انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة، وهذا سيؤثر على الاقتصاد المحلي وسيؤدي حتمًا لمجاعة حقيقية بين الناس".

وأوضح أن خطة الإغراق ستحرم المزارعين في القطاع حتى من زراعة أنواع المحاصيل التي من الممكن أن تتحمل الأملاح، مثل الفلفل وبعض أنواع البندورة وغيرها، مبينًا أنها ستعمل أيضًا على زيادة ملوحة المياه التي تصل إلى منازل المواطنين عبر آبار البلديات، "وهذا أيضا يحمل مخاطر على صحة الإنسان، وصعوبة في استخدام هذه المياه في مختلف الاحتياجات الإنسانية".

وأضاف: "هذه الخطة ستعمق أزمة المياه التي تعاني منها غزة أصلًا منذ سنوات عديدة، عبر انتشار الآبار العشوائية التي تستخرج المياه بشكل جائر حتى تكفي الاحتياجات السكانية، ما أدى إلى تسرب المياه المالحة من البحر، ورفع نسبة الأملاح التي يشعر بها كل من يشرب من المياه الجوفية في غزة".

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب لـ"نوى": "إن اغراق أنفاق غزة بمياه البحر سيصاحبه عواقب اقتصادية وخيمة، أهمها تراجع الإنتاج الزراعي والناتج المحلي من العائدات الزراعية".

وأوضح أن هذا التراجع في الزراعة، سيزيد من اعتماد غزة على الاستيراد من الخارج، وسيحطم الصادرات الزراعية  تمامًا، "وهذا سيزيد من استهلاكية المجتمع وتراجع إنتاجيته".

ومن جانب آخر، يرى أبو جياب أن إغراق أنفاق غزة بمياه البحر، سيؤدي لكارثةٍ كبيرة أيضًا فيما يتعلق بقطاع البناء والإنشاءات، بسبب حتمية حدوث انهيارات أرضية نتيجة طبيعة الأرض الساحلية الرملية في قطاع غزة.

وقال: "هذا الإغراق سيؤثر على عمليات البناء مستقبلًا، وسيحدث انهيارات في الطرق، ويجعل التربة غير صالحة للبناء عليها".

ويرى أبو جياب أن معالجة هذه الكارثة يكون من خلال معادلة ملوحة التربة والمخزون الجوفي من المياه، من خلال ضخ آلاف المترات المكعبة من المياه العذبة فيه، وهذا يتطلب ملايين الدولارات من أجل إنشاء محطات معالجة متخصصة في هذا الأمر.

ويشن جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر الماضي، حربًا مدمرة على قطاع غزة، خلّفت حتى الآن نحو ١٩ ألف شهيد، فضلًا عن دمارٍ هائل في البنية التحتية، وكارثة إنسانية غير مسبوقة في كافة مناحي الحياة.