غزة- رشا أبو جلال
همت "مريم" بالخروج من أحد المحال التجارية بعد عدة دقائق من البحث بين الأرفف. هنا باغتها صوت البائع: "بشو بقدر أساعدك؟"، فأجابته: "لا عليك، ما أبحث عنه غير موجود"، ثم رحلَت.
لم تتخيل مريم (٢٩ عامًا) أن تتحول حاجتها للفوط الصحية خلال فترة الحيض (الدورة الشهرية)، إلى معاناة كبيرة، كونها فقدت من الأسواق منذ مدة، "لكنها تبقى معاناة صامتة لا يعرف مأساتها سوى الفتيات والسيدات" تستدرك.
تعيش مريم النازحة من مدينة غزة، في مدرسة "المدينة" التابعة لوكالى غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (انروا)، بحي تل السلطان غربي مدينة رفح، التي تحولت إلى مركز للإيواء، وتشتكي من قلة اهتمام الجهات المانحة للمساعدات التي تمر إلى قطاع غزة، بهذه الحاجة النسائية الهامة.
تقول مريم لـ"نوى": "لقد دخلت العديد من المحلات التجارية، ولم أجد الفوط. لقد أصبح العثور عليها أشبه بمعجزة".
وأعربت عن استنكارها من عدم اعتبار هذه الحاجة أولوية، وأضافت: "في الحقيقة هذا الاحتياج يوازي الحاجة للغذاء تمامًا بالنسبة للنساء".
وتعدُّ مريم عدم سماح "إسرائيل" دخول الفوط الصحية النسائية، انتهاكًا لمعايير حقوق الإنسان، وعقابًا جماعيًا لنساء غزة.
وأضافت: "إن فقدان الفوط الصحية من الأسواق هو جزء من الحصار الإسرائيلي المشدد على القطاع، الذي يشمل قطع الكهرباء والمياه والوقود، وممارسة التهجير القسري لسكان شمال القطاع إلى جنوبه، ومنع دخول المساعدات الدولية".
على مقربة من مريم كانت السيدة "ياسمين" (٣٨ عامًا) تفترش أرض مدرسة الإيواء لتصنع بعض خبز الصاج لأطفالها. تقول: "لقد هربنا من منزلنا في مدينة جباليا، ولم نأخذ معنا شيء سوى بعض الملابس".
وأضافت: "لم نكن نتوقع أن تطول مدة النزوح إلى هذه الدرجة. ولو كنت أعلم أن كل هذا سيحدث وأهمه نفاد البضائع من الأسواق، لأبتعت أكبر قدر ممكن من الفوط الصحية على سبيل المثال".
وأوضحت ياسمين أنها ومنذ أن نزحت إلى رفح، مرت بفترتَي حيض، عانت خلالها من انقطاع الفوط الصحية، وهو الأمر الذي أثّر سلبًا على حركتها ودورها في تلبية احتياجات أسرتها، وتولّي مسؤولياتها تجاه أطفالها.
وبينت أنها وغيرها من النساء في مدرسة الإيواء، اعتمدن على بعض القطع القماشية البالية كبديل عن الفوط الصحية، عادةً هذا "البديل" منافيًا لأبسط حقوق المرأة الصحية.
وتابعت: "قد يعدّ البعض مطالبة النساء بالفوط الصحية ترف، لكن الأمر حقيقةً يتعلق بصحتنا النفسية والجسدية".
وتشكو الصيدليات ومحلات البيع من نفاد الكثير من المستلزمات والمواد الضرورية، وأهمها الاحتياجات النسائية.
يقول محمد الشاعر صاحب صيدلية الإيمان في حي السلام برفح لـ"نوى": "لا يوجد لدينا فوط صحية أو مناديل ورقية سواء مبلّلة أو جافة. إن فقدان هذه الأصناف يزيد من معاناة النساء النازحات بشكلٍ كبير".
وأوضح أنه في بعض الأحيان يمكن العثور على هذه الأصناف لدى بعض الصيدليات أو المحال التجارية، ولكنها تباع بثلاثة أو أربعة أضعاف ثمنها الأصلي، بسبب فقدانها من الأسواق.
وبين الشّاعر أن معاناة فقدان الفوط الصحية تتضاعف لدى النساء النازحات، عن النساء غير النازحات اللواتي ربما يحتفظن بمخزون منها في بيوتهن.
وبحسب الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء؛ يعيش في قطاع غزة 2.2 مليون نسمة، تُشكل النساء من بينهم 49%، أي ما يتجاوز المليون امرأة، أغلبهن -اعتمادًا على إحصاءات أعمار النساء الفلسطينيات- يحتجن للفوط الصحية.
وأكدت الطبيبة العامة العاملة في عيادات الأونروا في مدينة رفح، ابتسام المغنّي، أن هناك أثار سلبية يتركها فقدان الفوط الصحية على حياة النساء النازحات، اللواتي يعانين من الحرب.
وقالت المغني لـ"نوى": "عدم توفر الفوط الصحية يعرض النساء للإصابة بالالتهابات والتقرحات الجلدية، خاصة في ظل عدم توفر الماء الضروري للحفاظ على النظافة الشخصية".
وأشارت إلى أن الفتاة أو المرأة الحائض، تحتاج لعشرين فوطة صحية بحد أدنى خلال أيام الدورة الشهرية، عادةً استخدام الأقمشة البالية كبديل عن الفوط الصحية، سببًا لالتهابات البول، التي قد تتطور لحدوث التهابات في الكلى، "وهذه المعاناة تزيد عند النساء الحوامل، إذ تتضاعف فرص حدوث حمى النفاس" تختم.
